جوال jawwal

مواجهة قادمة في الأمم المتحدة ...رجب أبو سرية

الجمعة 14 سبتمبر 2018 01:32 م / بتوقيت القدس +2GMT
مواجهة قادمة في الأمم المتحدة ...رجب أبو سرية




ستبدأ الدورة الثالثة والسبعون اجتماعها العادي السنوي، يوم الثامن عشر من أيلول الجاري، في نيويورك بالولايات المتحدة، حيث من المتوقع أن تواجه الدولة المستضيفة لمقر الهيئة الدولة الأهم في العالم، عزلة دولية خانقة، لم تشهد مثيلاً لها من قبل، خاصة منذ انتهاء الحرب الباردة، وبعد أيام حرب فيتنام، وذلك لأن الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، وزع «هدايا العداء» في أكثر من مكان بالعالم، إن كانت تلك الهدايا من النوع السياسي، كما هي الحال في الملف الفلسطيني، أو من النوع الاقتصادي، كما حدث مع الصين والاتحاد الأوروبي، أو حتى من النوع الذي يصل إلى مستوى التهديد بالحرب، أو التدخل الصريح في شؤون الدول الأخرى، كما حدث مع كوريا الشمالية، وإيران وفنزويلا ونيكاراغوا.


على الطريق إلى الاجتماع الأممي، وجد ترامب المتخبط في مجال السياسة الدولية من قصة التقائه برؤساء الدول التي عزز منذ دخوله البيت الأبيض من حالة التوتر بينها وبين بلاده، مخرجاً، لتهدئة الأمور ولو قليلاً وبشكل مؤقت أو عابر، حتى يمر اللقاء الأممي بين قادة دول العالم، بأقل ضجيج ممكن، لذا فبعد لقائه الوحيد مع كيم جونغ أون، والذي كان مثل لقاء محمد علي كلاي/جورج فورمان في زائير عام 1974، من حيث كونه قد أحدث الصخب فقط قبل وخلال انعقاده، ثم بعد ذلك، «انفض المولد» دون أن يحدث أي تقدم يذكر، سوى التوقف عن حالة الشد التي كانت ربما تهدف إلى «تلميع الرجلين» عالمياً وإظهارهما كما لو كانا سيدي العالم، أو أن لقاءهما كان بمثابة لقاء قمة الكرة الأرضية!


ترامب المولع بالأكشن، منذ أن أظهر اهتمامه بالمصارعة الأميركية التي فيها مظاهر العنف الشديد وغير الأخلاقي، والتي فيها الكثير من الكذب و»التمثيل» والتي فشل في أن يكون واحداً من نجومها، يرى قبل أن ينقضي به العمر في حقل السياسة ما يحقق له «عقده النفسية» في الظهور ولفت الانتباه، فلا يظهر لذلك بمظهر الرئيس الأميركي المتزن، أي رأس أكبر وأهم دولة في العالم، لذا فهو يخترع العداء والتوتر مع الدول، ولا يسعى لحل الخلافات معها عبر المؤسسات الحكومية، ولا عبر السياسة الهادئة، بل عبر اللقاءات الإعلامية التي تمكنه من الظهور كما لو كان «نجماً عالمياً».
على الطريق إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، هذا العام، وبعد أن أعاد التوتر بين بلاده وإيران دون أي مبرر أو سبب، إلا من أجل خاطر عيون حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، أعلن أنه على استعداد للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني، ليجعل من اللقاء حدثاً يغطي ربما على فصول اجتماع الجمعية العامة وعلى كلمات رؤساء الدول، ثم وبعد الصخب الذي أحدثه مع نهاية العام الماضي حول القدس، وما تسبّب به من قطيعة تامة ومعلنة مع القيادة الفلسطينية، عاد ليعلن استعداده للقاء الرئيس محمود عباس، على هامش الاجتماع الأممي، ثم أخيراً ها هو رئيس نيكاراغوا التاريخي دانييل أورتيغا يعلن عن رغبته في لقاء دونالد ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لمناقشة تدخل واشنطن في شؤون أميركا اللاتينية.
الزعيم التاريخي لنيكاراغوا، قال قبل أيام في مقابلة له مع «فرانس برس 24»: إن الولايات المتحدة، خططت لانقلاب في بلاده، حيث لم يستبعد التدخل العسكري الأميركي في بلاده، وأضاف: إن لديه ما يثبت من الأدلة على تمويل الولايات المتحدة لموجة العنف الأخيرة في بلاده.
أورتيغا أشار إلى أنه في حال التقى ترامب سيتحدث باسم أميركا اللاتينية كلها، في إشارة_على أقل تقدير_ إلى تدخل واشنطن في شؤون فنزويلا أيضاً، حيث لا ترغب أميركا/ترامب في وجود نيكولاس مادورو، سلف الرئيس التحرري هوغو سانشيز المناوئ للهيمنة الأميركية على القارة الأميركية الجنوبية.
طبعاً اللقاء في الجمعية العامة، حتى وإن كانت تجري في نيويورك، أي على أرض الولايات المتحدة، لكنها تبدو كما لو كانت تجري على أرض محايدة، فهي تجري في ظل الاجتماع الأممي وليس في العاصمة الأميركية، ولا يكون في تلك الحالة الرئيس الأميركي هو المضيف، حيث سيبدو الطرف الآخر كما لو كان قد حضر خصيصاً من أجل لقائه!


وهذا مهم في البروتوكول الدولي، حيث عادة ما تجري اللقاءات الكونية، في عواصم محايدة حتى من حيث المسافة الجغرافية، كما حدث في لقاء قمة ميخائيل غورباتشوف مع رونالد ريغان في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، في العام 1986، من أجل وقف حرب النجوم وسباق التسلح، وكما حدث هذا العام في سنغافورة من لقاء بين زعيم كوريا الشمالية والرئيس الأميركي.


وفي الحقيقة، فإن اللقاءات بين رؤساء الدول على هامش الجمعية العامة لا تقتصر على كون الرئيس الأميركي هو الطرف الوحيد فيها، فكثير من اللقاءات تجري بين رؤساء الدول لتناقش العلاقات الثنائية أو ملفات دولية ذات اهتمام مشترك.


ما يهمنا نحن هو كلمة الرئيس محمود عباس، حيث اعتادت القيادة الفلسطينية منذ سنوات أن تجعل من الاجتماع السنوي للجمعية العامة، بمثابة جردة حساب أو مراجعة سنوية للعملية السياسية التي كانت تجري في ظل الرعاية الأميركية، وقد تدرج الأمر لتعويض نقص الحضور الدولي، منذ تآكل موقف الرباعية الدولية في الاهتمام بالملف، وتفرد الولايات المتحدة، إلى أن توقفت قوة الدفع منذ نيسان العام 2014، لتجد فلسطين ضالتها في هذا الاجتماع وفي بعض اجتماعات مجلس الأمن وبعض مؤسسات الأمم المتحدة فرصتها في كشف الانحياز الأميركي وكذلك الإجراءات الاحتلالية الإسرائيلية المتتابعة والتي كانت طوال الوقت العقبة في طريق تحقيق السلام، إلى أن تحولت إلى أداة لقتلها تماماً.


في السنوات السابقة، كانت خطب الرئيس عباس تتمحور حول الإجراءات والسياسات الإسرائيلية المعادية والمضادة للسلام، لكن هذه المرة ينتظر أن يخصص الرئيس جزءاً مهماً من كلمته لكشف خطر الانحياز الأميركي المناقض للشرعية الدولية بخصوص القدس واللاجئين ومجمل ملف الصراع. لذا فإن محاولة واشنطن لثني الرئيس عن «بق البحصة» بالحديث عن لقاء محتمل بين الرجلين مكشوفة ومفضوحة وهي على الأغلب لن تحدث.