مسيرة العودة الكبرى ... متطلبات الاستمرارية والتوسع

الجمعة 17 أغسطس 2018 06:15 م / بتوقيت القدس +2GMT
مسيرة العودة الكبرى ... متطلبات الاستمرارية والتوسع



رام الله / سما/

هذه الورقة من إعداد: بيسان الجعفري، حرية حامد، شيماء مرزوق، ضمن إنتاج المشاركين/ات في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي" 2018 الذي ينفذه مركز مسارات.

مقدمة

انطلقت مسيرة العودة بتاريخ 30/3/2018 استمرارًا لسلسلة طويلة وممتدة من نضال الشعب الفلسطيني بمختلف الأشكال على مدى قرن من الزمن، بما فيها اعتماد قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية المقاومة الشعبية لمواجهة مخططات احتلال فلسطين وفترة الانتداب البريطاني التي استمرت لثلاثة عقود حتى العام 1948. وتعدّ انتفاضة موسم النبي موسى في العام 1920 أولى الانتفاضات الشعبية، وتوالت مظاهر المقاومة الشعبية، وكان من أبرزها الإضراب الكبير في العام 1936، الذي استمر 178 يومًا، والذي شلّ الحياة العامة في عموم فلسطين.

يشكل يوم الأرض 30 آذار من كل عام مناسبة سنوية لذكرى الهبّة الشعبية التي قامت في فلسطين في العام 1976، ضدّ قيام الاحتلال الصهيوني بمصادرة آلاف الدونمات من قرى فلسطينية في الجليل في سياق مخطط تهويدي. واستمر النضال الشعبي الفلسطيني حتى الانتفاضة الأولى 1987 التي شكلت ذروة النضال الشعبي، إذ شاركت فيها جموع الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده من خلال الإضرابات والمظاهرات، وكانت الحجارة العنوان السلمي الأبرز لها.

رابط مباشر لقراءة الورقة أو تحميلها

بذات الأساليب، انطلقت انتفاضة الأقصى (2000-2005)، إذ هبّ الشعب الفلسطيني دفاعًا عن المسجد الأقصى، وكانت الفعاليات الشعبية من أبرز مظاهرها في السنتين الأوليين، قبل أن تتحول إلى العمل المسلح. ورغم ذلك استمرت المقاومة الشعبية، ففي العام 2002 بدأت المقاومة الشعبية لجدار الفصل العنصري في مناطق شمال الضفة الغربية، ومع أنّ التغطية الإعلامية لها كانت شبه معدومة لكثرة الأحداث في تلك الفترة من اجتياحات وغيرها؛ إلا أنها تميّزت بإعادة نمط المقاومة الشعبية للانتفاضة الأولى من وسط المقاومة العسكرية في الاجتياحات، وإعادة ترتيب الفعاليات الشعبية.

في العام 2005 أخذت المقاومة الشعبية ضد جدار الفصل العنصري تمتد إلى وسط الضفة، وتحديدًا في قريتي بلعين ونعلين، ومع الاختلاف بينهما في الإستراتيجية وآليات العمل، إلا أنه لا أجندات للتحكم والسيطرة، وإنما كان الحاكم الشعب والمصلحة الوطنية.

وفي العام 2012 كان للقناعة التامة بأهمية العمل الجمعي دور كبير في نجاح نماذج المقاومة الشعبية في كل من قرية "باب الشمس" و "دير حجلة" وغيرهما، من خلال التنسيق لها والعمل بسرية. كما أن هبة البوابات الإلكترونية في القدس في العام 2017 والرفض الشعبي لدخول الأقصى عبرها، أرغمت الاحتلال على إزالة كافة البوابات الإلكترونية.

والآن، تأتي مسيرة العودة في الذكرى السبعين لاحتلال فلسطين، وبعد 11 عامًا على حصار قطاع غزة، وفي ظل الانقسام الفلسطيني، مع تراجع مسار التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية المتوقفة منذ العام 2014، وبعد الحراك الإسرائيلي – الأميركي بعد نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس المحتلة، والحديث الدائر عن ما يسمى بـ"صفقة القرن"، و"خطة السلام" الأميركية التي يروج لها الرئيس دونالد ترامب من خلال جاريد كوشنر، مبعوثه في الشرق الأوسط.

تأتي المسيرة لتتصدى للمخاطر الكبيرة التي تعرضت لها قضية اللاجئين في السنوات الأخيرة وتنذر بتصفيتها، تحديدًا بعد اتخاذ إدارة ترامب خطوات عملية لذلك، أبرزها تجفيف موارد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا" عبر تجميد المساعدات الأميركية، وهي الأكبر، وإزاحة ملف اللاجئين عن الطاولة في أي عملية تسوية قادمة.

تشكل مسيرة العودة نقطة فاصلة كونها أعادت القضية إلى جذورها، وهي حق العودة، رغم تنوع الأساليب واختلاف أدواتها، إذ تقوم فكرة المسيرة على زحف الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم نحو الأراضي المحتلة العام 1948، والتظاهر بشكل سلمي مع وضع خيم العودة التي تشكل رمزًا لقضية اللاجئين، وذلك تأكيدًا على حقهم في العودة، ما شكّل ضربة قوية لسياسات الاحتلال لطمس حق العودة. كما استطاعت جذب انتباه العالم نحو مشكلة اللاجئين وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي.

تتركز أماكن اعتصام المشاركين في مسيرة العودة في ستة تجمعات مركزية: رفح - حي النهضة "بوابة المطبق"، خانيونس - بلدة خزاعة "بوابة النجار"، الوسطى - مخيم البريج "بوابة المدرسة"، شرق غزة - حي الزيتون "بوابة ملكة"، الشمال - "بوابة أبو صفية"، ونقطة 4/4 شمالي بيت حانون. وتبعد هذه التجمعات عن الخط العازل (600-700) متر.

اختيرت هذه الأماكن بناءً على توزيع المحافظات في قطاع غزة: محافظة رفح (شرقًا تجمع)؛ محافظة خانيونس (شرقًا تجمع)؛ المحافظة الوسطى وتضم دير البلح والمغازي والنصيرات والبريج (تجمع شرق البريج كونه أكثر المخيمات احتكاكًا مع الحدود وبذات الوقت يتوسط المخيمات في الوسطى)؛ محافظة غزة - شرق غزة (منطقة الزيتون والشجاعية، وهي المنطقة الشرقية لمحافظة غزة)؛ محافظات الشمال تضم جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون (الشمال منطقة جباليا تمتد شرقًا (بوابة أبو صفية)، أما بيت حانون وبيت لاهيا فالنقطة الأقرب لهما شمالًا حاجز إيرز. وتتباين أعداد المشاركين في المسيرة، وتتفاوت في كل جمعة، وتتراوح في متوسطها ما بين (20- 30 ألف) مشارك.

المشكلة

يشكل انحصار مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة دون باقي أماكن التواجد الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية أو الداخل المحتل العام 1948 أو في الشتات، أحد أهم الإشكاليات ونقاط الضعف التي تواجهها؛ كون انحصارها في القطاع يربطها بقضايا فرعية من شأنها أن تحرفها عن مسارها الأساس، وتحد من إمكانية تحقيقها لأهدافها.

من خلال تتبع تطورات مسيرة العودة منذ اليوم الأول لانطلاقتها بمناسبة الذكرى 42 ليوم الأرض، ونجاحها في بعض الجوانب وإخفاقها في جوانب أخرى على مستوى قطاع غزة وانحصارها فيه، نستطيع رصد أبرز الأسباب التي أدت إلى هذا الانحصار، وهي:

أسباب ذاتية: تتمثل في عدم التعامل مع المسيرة على أنها فعل نضالي فلسطيني يجب أن يحقق أهدافًا نضالية؛ وذلك بسبب الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، وظهور المقاومة السلمية كإستراتيجية جديدة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فما زال مفهوم المقاومة الشعبية ذات التوجهات السلمية يتطور، ومن الممكن أن يكون السبب في غياب المفهوم الواضح للمقاومة الشعبية السلمية.

أسباب موضوعية: تتمثل في عدم وجود مؤسسة فلسطينية جامعة، بسبب الانقسام وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني القائم، وما تعيشه الضفة من حالة ضعف ومعوقات أمام تطوير وتعميم المقاومة الشعبية بعد ما يسمى "عملية السور الواقي" في العام 2002، وفي ظل الاعتداءات والإجراءات الإسرائيلية المتكررة.

أسباب خارجية: تتمثل في التراجع الدولي عن دعم القضية الفلسطينية واللاجئين، ويشمل ذلك دور الشتات في دعم مسيرة العودة، وفي عدم وجود لجنة تنسيق للعمل في كل الساحات (غزة، الضفة، الداخل المحتل، الشتات)، وعدم التعامل مع القضية الفلسطينية وفق المادة السابعة للقانون الدولي في ميثاق الأمم المتحدة، إضافة إلى غياب رادع لسياسات الاحتلال من النظام الدولي، في ظل انحياز أميركي إنجيلي يميني يقف خلفه اللوبي الإسرائيلي.

المقاومة الشعبية في التجربة الفلسطينية

المقاومة الشعبية ليست أسلوبًا جديدًا أو مستحدثًا في التجربة الفلسطينية، لها أهمية كبيرة في كل مراحل القضية الفلسطينية منذ الانتفاضة الشعبية الأولى، إلا أنها لم تعمل وفق إستراتيجية خاصة وبرنامج وطني يوضح أولويات المقاومة وأساليبها، ولم تتمكن من البناء والتراكم في الانتفاضتين الأولى والثانية، ومع ذلك فإن المقاومة الشعبية لا تعني الاستسلام والخضوع، وإنما الفاعلية والتحدي والنضال، كما أنها فيما لو فشلت في تحقيق أهدافها لن تترك وراءها الكثير من الخسائر.

في ظل إدارة ترامب ومحاولات وسم النضال الفلسطيني بـ"الإرهاب"، وفي ظل الانقسام الفلسطيني، وغياب العمل التنظيمي على الأرض من قبل الفصائل الفلسطينية، وأكبرهما حركتي فتح وحماس، وسعي القيادة الفلسطينية إلى كسب الرأي العام العالمي بالفعل الديبلوماسي، واعتبار أن أي عمل عسكري من شأنه أن يدمر إنجازاتها، كان لا بد من الاعتماد على المقاومة الشعبية كأحد أشكال النضال للحفاظ على المكاسب السياسية على الصعيد العالمي لدعم القضية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لها باعتبارها قضية تحرر وطني وإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال، وكسب المزيد من التضامن والتأييد الدولي ومحاصرة المشروع الصهيوني.

رغم ما حققته المقاومة الشعبية في فلسطين منذ الانتفاضتين ومرورًا بمقاومة جدار الفصل العنصري وهبة البوابات الإلكترونية، إلا أن المشكلة التي لا تزال قائمة هي الاعتماد على نضال فرعي أو موسمي أو أقرب إلى ردات الفعل دون برنامج وطني، مما يضعف المقاومة نفسها، مثال ذلك ما حدث في مسيرة العودة الكبرى، وما حدث في المظاهرات ضد تهجير أهالي منطقة الخان الأحمر.

 تحديات ومعيقات استمرارية وتوسع مسيرة العودة

هناك الكثير من التحديات والمعيقات التي تواجهها مسيرة العودة نتيجة انحصارها في قطاع غزة، وعدم وجود دعم ومشاركة فعالة من أماكن التواجد الفلسطيني الأخرى.

ارتفع عدد الضحايا من الشهداء والجرحى وفق الإحصائية التفصيلية لوزارة الصحة لاعتداء قوات الاحتلال الاسرائيلي على المشاركين السلميين في مسيرة العودة الكبرى منذ 30/03/2018 وحتى 13/08/2018 على النحو الآتي:

بلغ إجمالي الشهداء 168 شهيدًا وصلوا إلى مشافي القطاع (27 طفلًا، 3 من الإناث)، إضافة إلى 8 شهداء احتجزت قوات الاحتلال جثامينهم، والإصابات 18006 بجراحٍ مختلفة واختناق بالغاز (منهم 3540 طفلًا، 1728 سيدة).

أما درجة الخطورة في مجمل الإصابات فكانت (417 إصابة خطيرة، 4293 متوسطة، 13296 طفيفة). من بين الإصابات (4508 إصابة بالرصاص الحي، 529 إصابة بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، 7590 اختناق شديد بالغاز، و5379 بالشظايا وإصاباتٍ أخرى).

بالنسبة إلى أماكن الإصابات في الجسم (677 إصابة بالرأس والرقبة، 391 بالصدر والظهر، 426 بالبطن والحوض، 1370 الأطراف العلوية، 5862 الأطراف السفلية، 1690 أماكن متعددة)، إضافةً إلى 69 حالة بتر من بين الإصابات في الأطراف العلوية والسفلية وأصابع اليد.

كما كان هناك استهداف مباشر للطواقم الطبية أدى إلى ارتقاء 3 شهداء، بينهم مسعفة، وإصابة 370 من المسعفين بالرصاص الحي والاختناق بالغاز، وتضرر 70 سيارة إسعاف بشكلٍ جزئي. هذا الارتفاع الكبير في عدد الشهداء والجرحى في مسيرة العودة لا بد أن يكون دافعًا لإحياء المقاومة الشعبية وتكاملها في المناطق الفلسطينية الأخرى.

أما ما يتعلق باستخدام الطائرات الورقية كأداة من أدوات المقاومة الشعبية، فقد كان بهدف إشغال قناصي الاحتلال الإسرائيلي عن قتل المتظاهرين الفلسطينيين على الحدود في مسيرة العودة، الأمر الذي أدى إلى إرباك الاحتلال على أصعدة عدة، والبحث عن حلول لمواجهة هذه الأساليب الجديدة للمقاومة الشعبية.

وعليه قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بقصف نقاط مراقبة حدودية عدة للمقاومة الفلسطينية في محاولةٍ منها لإخماد هذا الحراك.

كما صدرت تصريحات وتهديدات عن قادة من الاحتلال الإسرائيلي بضرورة التعامل معها بالقوة المفرطة؛ وذلك لتسببها بحرائق في حوالي ربع المساحات المزروعة على الشريط الحدودي مع قطاع غزة والغابات في المستوطنات القريبة منه والمواقع العسكرية الحدودية، إضافة إلى الخسائر الاقتصادية الكبيرة، والحاجة إلى "قبة حديدية" لمواجهة الطائرات الورقية التي تشكل تحديًا كبيرًا للاحتلال بسبب فشل مواجهة هذا السلاح الفلسطيني الجديد، مقابل ما تعتبره نجاحًا في مواجهة صواريخ المقاومة الفلسطينية من منظومة القبة الحديدية.

مقابل ذلك كله، اتسمت مطالب القيادة الفلسطينية لحماية المتظاهرين في مسيرة العودة بالضعف، إضافةً إلى عدم تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه الفلسطينيين المتظاهرين في مسيرة العودة، فقد دعت كل من الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي إلى حماية المتظاهرين في مسيرة العودة وتوفير التمويل لعلاج الجرحى كما دعا البرلمان الأوروبي إسرائيل إلى عدم استخدام القوة المفرطة والمميتة مع المتظاهرين الفلسطينيين، وإلى ضبط النفس، والحيلولة دون أي تصعيد جديد للعنف.

ولمواجهة الأزمة الإنسانية، طالب البرلمان الأوروبي بجهود دولية من أجل إعادة إعمار وتأهيل قطاع غزة، ورفع الحصار. وفي المقابل، طالب النواب الأوروبيون قادة المتظاهرين في مسيرة العودة بالامتناع عن التحريض على العنف. هذا الضعف في دعم مسيرة العودة وتحمل المسؤولية تجاهها ما هو إلا تحدي لاستمرارية المسيرة وتوسعها لمناطق التواجد الفلسطيني الأخرى.

الأهداف

تسعى هذه الورقة إلى تقديم حلول وبدائل للقوى والفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، لتكون قادرة على إعادة بناء وتأهيل المظلة الفلسطينية الجامعة والتوافق على مشروع وطني موحد، وأسس البرنامج السياسي الوطني، إضافة إلى طرح مقترحات لإعادة بناء وتطوير برنامج عمل المسيرات بما يتواءم مع إمكانيات وظروف مختلف التجمعات الفلسطينية.

الآثار

تغليب الأسباب الفرعية على السبب الرئيس للمسيرة، إذ أُشير إلى الأزمة الإنسانية وكسر الحصار عن قطاع غزة كمسبب ودافع لمسيرة العودة، لا قضية اللجوء الفلسطيني، حيث يرابط الجيل الرابع بعد 70 عامًا على اللجوء، الجيل الذي لم يعش في فلسطين التي هُجّر منها أجداده.
أدى عدم التوافق على برنامج سياسي موحد لمسيرة العودة إلى اعتبارها أداة تعبر عن وجهات نظر حزبية لا شعبية، كحركة حماس مثلًا، مما أفقدها التبني الرسمي، والموقف السياسي الموحد.
افتقار المسيرة في الساحات الأخرى (الضفة، والداخل المحتل، والشتات) للجنة عمل مشتركة تتناسق مع قطاع غزة، مما جعل المسيرة تفتقر إلى التنوع في الأساليب المتبعة لإيصال هدف المسيرة الأساس لأوسع نطاق.

المعايير

تتناول الورقة البدائل المتاحة فيما يتعلق بمسار مسيرات العودة وتوسعه ليشمل أماكن التواجد الفلسطيني وفق معايير محددة تحكمها، وهي:

معيار القبول: تطرح الورقة البدائل لجهة مدى قبولها لدى مكونات النظام السياسي والشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية، لا سيما "فتح" و"حماس"، ومؤسسات المجتمع المدني.

معيار المنفعة والتكلفة: تتمثل المنفعة باستطاع المسيرة فك الحصار عن قطاع غزة وإن كان بشكل جزئي، بعد مرور ثلاثة حروب قادتها المقاومة ولم تستطع أن تفك الحصار، إضافةً إلى تحقيق منفعة من خلال الاتفاق والوحدة بين كافة الفصائل على أهمية هذه المسيرة رغم سنوات الانقسام الطويلة، وإلى ما صدر عن مجلس الأمن من قرارات تتعلق بها مع أن ثلاثة حروب لم تستطع استصدار أي قرار من ذات الجهة، فضلًا عن زيادة الوعي بضرورة التحرك والمشاركة الواسعة لضمان توسع المسيرة واستمراريتها، وضرورة الاعتماد على آليات تواصل ما بين قيادة الحركة الوطنية والشعب، وإشراك وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وذلك للتقليل من تكلفة المسيرة وخسائرها.

معيار الوعي الفلسطيني العام: يتفهم المجتمع الفلسطيني بكل أطيافه ومكوناته الاجتماعية أهمية إعادة بناء الروح الوطنية، وإعادة وتأهيل المظلة الفلسطينية الجامعة والتوافق على مشروع وطني موحد، وأسس البرنامج السياسي الوطني، ولا يمكن إنكار أن كافة التيارات التي تؤيد المقاومة ترى جدوى من مسيرة العودة، لذلك وجدنا دعم "حماس" لها. كما يؤمن قطاع كبير من الشعب ممن عايشوا الانتفاضتين، وهم من أبناء التنظيمات، بأهمية المقاومة الشعبية في تحقيق أهداف المسيرة.

البدائل السياساتية

تتداخل الأسباب الداخلية والخارجية فيما يتعلق بمسيرات العودة، وعليه هناك بدائل أو سيناريوهات مختلفة بشأن بقائها منحصرة في قطاع غزة، وبالتالي تحقيق أهداف ونتائج داخلية محدودة على مستوى القطاع فقط، وربما خسائر أكثر، أو توسعها واستمراريتها لتحقيق أهدافها الداخلية، إضافةً إلى تحقيق العودة، وبالتالي نحن أمام ثلاثة بدائل:

البديل الأول: إعادة بناء قيادة مسيرات العودة لتضم التجمعات الفلسطينية المختلفة

تتكون اللجنة العليا لمسيرة العودة، التي تقتصر على قطاع غزة دون المناطق الأخرى، من 27 عضوًا، وتتضمن 13 لجنة مختصة من كل التنظميات ومنظمات المجتمع المدني والطلاب والشباب والمرأة واللاجئين والإعلام، وهذه اللجان هي: اللجنة القانونية والصياغة والتواصل الدولي، اللجنة المالية، اللجنة الصحية، اللجنة الإعلامية، لجنة قطاع المرأة، لجنة الأطر الطلابية، لجنة قطاع التنسيقات الشبابية، لجنة الفعاليات والعمل الجماهيري، لجنة الحشد، لجنة قطاع اللاجئين، لجنة الأنشطة الثقافية "الفن والتراث"، لجنة الوجهاء ومخاتير العشائر، لجنة المنظمات الأهلية.

إذا أردنا توسيع العمل الشعبي وانتشاره في كافة مناطق تواجد الشعب الفلسطيني، يجب استعادة الروح النضالية للشعب الفلسطيني، والعمل على زيادة الوعي بضرورة التحرك وبثها في نفوس الفلسطينيين، فالمشاركة الواسعة تعني التوسع والاستمرارية.

إضافة إلى ذلك، هناك ضرورة لبناء لجنة عليا تضم جميع الفئات المختلفة للشعب الفلسطيني، وتشكيل قيادة جديدة على أسس جديدة، وضرورة اعتماد آليات تواصل ما بين قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، من خلال دعم وتعزيز القيادات الميدانية الشابة، وإشراك وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى

كما لا بد من إعادة تطوير وسائل وأدوات المقاومة الشعبية، ففي ثورة 1936 كان هناك أطول أضراب في التاريخ، وفي هبة البوابات الإلكترونية مكث المقدسيون في الشوارع، وفي غزة استخدمت الطائرات الورقية، وبالتالي لا بد من الاتفاق على العمل بعيدًا عن الأجندات السياسية والاحتكام إلى المصلحة الوطنية، وإيجاد أدوات ووسائل أخرى لاستمرار العمل المقاوم.

يحظى البديل بقبول القوى والفصائل الفلسطينية، ففي وثيقة الوفاق الوطني العام 2006 وافق الجميع على أن المرحلة النضالية تتطلب مقاومة شعبية، وبالتالي لا بد من إشراك الفصائل الأخرى ومؤسسات المجتمع المدني، وتوسيع جبهة المواجهة في كل أماكن تواجد الشعب.

هناك صعوبات أمنية وإدارية في تطبيق البديل، ويكمن الحل في تنظيم العمل الشعبي وترك القيادة الميدانية تتحرك. وهناك صعوبات في الضفة تتمثل في عدم القدرة على توسيع العمل المقاوم ومجابهة التحرك بسبب أمن المتظاهرين، فالسلطة ليس مطلوبًا منها المواجهة، لكن عليها ترك القيادات الميدانية العمل.

البديل الثاني: تطوير برنامج عمل المسيرات ليتواءم مع إمكانيات وظروف مختلف التجمعات الفلسطينية

يتطلب صياغة برنامج عمل لتطوير مسيرات العودة، يمكنها من التمدد والتوسع لأماكن التواجد الفلسطيني؛ التعامل بذكاء مع كل تجمع فلسطيني، ومراعاة خصوصيته، لا سيما في ظل الظرف الفلسطيني والدولي المعقد. لكن الجانب الإيجابي هنا أن المقاومة الشعبية تحظى بإجماع فلسطيني فصائلي وشعبي كونه قليل الخسائر ويحصد مكاسب أكبر، إلى جانب القبول الدولي.

كما يتطلب ذلك الإبقاء على العنوان العام والعريض، وهو حق العودة الذي يجمع الفلسطينيين أينما وجدوا، فجميعهم يستشعرون خطورة المخططات الرامية لتصفية القضية، وتحديدًا حق العودة، وبالتالي فإن أسباب انتقال المسيرة لباقي الساحات متوفرة، وتبقى الإشكالية في الآليات والأدوات.

الضفة الغربية: صحيح أنها ساحة معقدة نظرًا لسيطرة الاحتلال على كل مفاصل الحياة فيها، وحالة التنسيق الأمني بينه وبين السلطة الفلسطينية التي خلقت حالة أمنية تكبح جماح المسيرة، ولا تجعلها حدثًا دائمًا ومستمرًا كما هو الحال قطاع، ولكن السلطة التي رفضت "صفقة القرن" وتدرك خطورة ما يحاك ضد القضية؛ ربما تصل إلى نقطة لا تستطيع منع الفلسطينيين من ممارسة الفعل الشعبي.

كما من الصعب أن تشهد مدن الضفة تجمعات بشرية كبيرة كالتي تجري في غزة نتيجة للحواجز وإجراءات الاحتلال، لذا فقد تتخذ أشكال أخرى تتلاءم مع البيئة الأمنية والجغرافية فيها، أبرزها الاشتباك مع الاحتلال على الحواجز ونقاط التماس على مداخل المدن، إضافة للتصدي للمستوطنين الذي يعتدون عليهم في مدن الضفة وقراها، وتوسيع دوائر الاحتكاك ونقاط المواجهة على نطاق واسع، كما يمكن تكرار تجربة البالونات الحارقة في الضفة وقطع طرق المستوطنين.

القدس: تعتبر ساحة ملتهبة باستمرار وهناك زحف دائم ومستمر نحوها من أهالي الضفة والداخل، وهي المكان الذي يتوافد إليه الفلسطينيين من كل الأماكن. يمكن أن تمهد شدة الاحتقان الموجودة فيها وتشديد إجراءات الاحتلال لتشكل في أي لحظة حالة مقاومة شعبية عارمة، مثل هبة البوابات في تموز 2017، التي استطاعت أن تشكل نموذجًا مهمًا في الفعل المقاوم الشعبي.

تكمن إشكالية القدس في غياب مرجعية وطنية عليا تضم قيادات العمل الوطني والشعبي فيها، وبالتالي فمن الضروري تشكيل قيادة ميدانية والدفع باتجاه تشكيل قيادات يفرزها ميدان الفعل الشعبي هناك، والتنسيق بينها وبين باقي القيادات في الساحات المختلفة.

الداخل المحتل العام 1948: تبقى المقاومة الشعبية فيه الخيار الأفضل والأنسب، ولا يملك غيره لمقاومة المحتل، كما أنه يمكن لأهالي الداخل رفع شعار مسيرة العودة والمطالبة بحق عودتهم، خاصة أن جزءًا كبيرًا منهم مهجر من بلداتهم وليس صحيحًا أن جميعهم يسكنون بلداتهم الأصلية.

يمكن لأهالي الداخل المشاركة في مسيرات العودة، وقد جرت بالفعل مظاهرة في حيفا تصدى لها الاحتلال بالغطرسة والضرب والاعتقال للمتظاهرين السلميين الذين خرجوا لمساندة قطاع غزة بعد المجازر التي ارتكبها الاحتلال ضد المتظاهرين هناك. كما شارك أهالي الداخل في الانتفاضتين وسقط منهم الشهداء والجرحى.

سوريا: تبقى إشكالية مشاركة الشتات تتبع ظروف كل بلد يتواجد فيه الفلسطينيون، ففي سوريا كانوا  ينعمون بظروف جيدة، لكن الحرب الدائرة هناك دفعت جزءًا كبيرًا منهم إلى الهجرة مجددًا، فبعدما كان يتجاوز عددهم، حسب الأونروا، 560 ألف لاجئ، بقي منهم قرابة 440 ألف بعد الحرب، ونتيجة لذلك فمن الصعب أن يشارك الفلسطينيون في سوريا في مسيرات العودة في ظل الوضع الحالي.

لبنان: يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان في معازل وسجون، وتفرض عليهم إجراءات غير إنسانية، ورغم الظروف التي تعتبر الأقسى للاجئ الفلسطيني إلا أن لبنان الساحة الأكثر اشتعالًا وانسجامًا مع الوضع في الأراضي الفلسطينية. كما أن التواجد القوي للفصائل في لبنان وعدم وجود معاهدات سلام بينه وبين وإسرائيل قد يسمح بمشاركة اللاجئين هناك بقوة في المقاومة الشعبية.

الأردن: يبقى الوضع في الأردن معقد نتيجة حمل معظم اللاجئين الفلسطينيين الجنسية الأردنية، ورغم عددهم الكبير الذي يقارب 4 مليون، إلا أنهم يخضعون بالكامل للإجراءات الإدارية والقانونية في الأردن الذي تربطه معاهدة سلام مع إسرائيل، إلى جانب ما يترتب عليها من إجراءات أمنية، التي بناء عليها تمنع الأردن أي إمكانية لاقتراب الفلسطينيين هناك لأراضيهم المحتلة.

الأردن من أكثر الساحات مساندة للفلسطينيين عبر التظاهرات الشعبية التي تحظى بحشد جماهيري كبير، فبالتالي يمكن استثمار هذه النقطة عبر تطوير آليات عمل تضمن استمرار العمل الشعبي هناك حتى في داخل الأرض تحت شعار مسيرة العودة، وبوجود قيادة تعمل ضمن تنسيق كامل مع باقي الساحات.

على الرغم من خصوصية التجمعات الفلسطينية، يبقى من الضروري تفعيل البديل الأول للربط بين الساحات حتى يكون الفعل النضالي الشعبي ضمن خطوة إستراتيجية ورؤية موحدة وواضحة تهدف إلى لتحقيق هدف واضح ومتفق عليه عبر الضغط الشعبي في الساحات بشكل متوازن.

البديل الثالث: التشبيك على الساحة الدولية وبناء التحالفات وتفعيل دور اللاجئين في الساحة الخارجية

يحتاج تحويل مسيرة العودة إلى المسرح الدولي إلى تكاتف كتلة تتعاون فيها كل مقومات المجتمع، من خلال القيام بأدوار مختلفة كل حسب قدراته وإمكانياته، وذلك عبر إيجاد تحالفات مع الجاليات الفلسطينية في الشتات، وتحالفات مع قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية في الغرب، وتحالفات مع المثقفين الغربيين (عرض مسيرة العودة من خلال أفلام، قصص وروايات، معارض صورية)، والتحالفات الرسمية التي يجب أن تقوم بها السلطة الفلسطينية.

فشلت السلطة الفلسطينية في استصدار قرار دولي يحاكم أو حتى يدين القوة الإسرائيلية المفرطة ضد مسيرات العودة، كما فشلت في رفع دعاوى لدى مؤسسات حقوق الإنسان، وبالتالي لا بد من مضاعفة التحرك على المستوى الدولي، قانونيًا وديبلوماسيًا، ولا بد من إيجاد تناغم في التحركات الفلسطينية، بين ما يحدث على الأرض وما تطالب به القيادة الفلسطينية.

الخيار المفضل

إن البديل/السيناريو المفضل، مع أنه الأصعب من حيث التطبيق هو الدمج بين البدائل الثلاثة المطروحة؛ إذ لا بد من إعادة بناء قيادة مسيرات العودة لتضم التجمعات الفلسطينية المختلفة، وتطوير برنامج عمل المسيرات ليتواءم مع إمكانيات وظروف مختلف التجمعات، وبناء التحالفات وتفعيل دور اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم في الساحات الخارجية؛ كل ذلك تحت مظلة فلسطينية جامعة والتوافق على مشروع وطني موحد، وأسس البرنامج السياسي الوطني.