جوال jawwal

إنهم يغتالون مركزاً ثقافياً..! أكرم عطا الله

الأحد 12 أغسطس 2018 10:38 ص / بتوقيت القدس +2GMT
إنهم يغتالون مركزاً ثقافياً..! أكرم عطا الله



إن ما حدث يوم الخميس الماضي من اغتيال لمؤسسة ثقافية هي محاولة اغتيال للثقافة الوطنية.. لقد لاحقت إسرائيل المسرحية بطائرة أف 16.. هذا ما كان وسط صمت مثير للريبة من العالم الحضاري..!
لم أصدق أنا وغيري عندما جاء الخبر الأول بأن الطائرات الإسرائيلية ألقت صواريخ تحذيرية على مركز المسحال الثقافي، الذي يقع غرب مدينة غزة؛ بهدف هدم المبنى الذي يتكون من ستة طوابق، وجرى الاعتقاد أن المقصود ربما كان شيئاً آخر يجاور المركز، لكن الجيش الإسرائيلي فعلها محولاً هذا المركز العزيز في غزة إلى كومة من الرماد، فالحرب لم تبدأ بعد حتى تفتتحها إسرائيل بقصف الأبراج السكنية. المركز مكان للعرض المسرحي، فما علاقته بالحرب؟ ذلك كان أقصى ما فكر به كل الذين لم يصدقوا صواريخ التحذير التي تساقطت على المبنى، قبل أن يسقط.
ولكن في لمح البصر اختفى المركز، واختفت معه ذكريات لجيل وثقافة وعروض مسرحية لمن اجتهدوا في الحفاظ على بقايا حياة محاصرة بغزة، واختفت المسارح والمقاعد ودقات أقدام كانت على الأرض هدارة بالدبكة الشعبية وهي ترقص لفلسطين وتاريخنا وهويتنا، وهم يغنون للآلهة «عناة» التي ترسخ هويتنا الثقافية في هذه المنطقة الزراعية، يوم كان يتم زفافها على الإله «بعل».
في هذا المركز المجهز بقاعات مسرحية، تكاد تكون الوحيدة في غزة، والذي تبرع ببنائه ورعايته حتى الآن رجل الأعمال الفلسطيني سعيد المسحال، والذي كان سابقاً أحد أفراد الخلية الأولى التي شكلت حركة «فتح» في الخليج، لكن الرجل لم يستمر مع رفقاء دربه، واستكمل في عالم الأعمال، وحين عادت السلطة قرر أن يؤسس هذا المبنى، ولا يدري ربما حينها أنه يشيّد واحداً من الأماكن التي ستصبح جزءاً من المعالم الحضارية والثقافية في المدينة.
في مركز المسحال أحيينا ذكرى محمود درويش، وفي مركز المسحال أقيم عزاء أحمد دحبور وعزاء الراحلة ريم بنا، وفي «المسحال» أقيمت الأمسيات الثقافية وعرضت المسرحيات التي تحكي قصة وطن ولجوء وخيام من الألم الممتد من شاطئ يافا إلى شاطئ غزة، والمخيم وكرت التموين ومستقبل أبناء المخيم، وذكريات الخمسينيات والستينيات، ورحلة اللجوء الحزين من هناك والتي حطت رحالها هنا في هذا القطاع الذي ظل الأحفاد يتوارثون حزنه وظمأه للعودة.
كان مركز المسحال يعيد بعث الحلم بأبهى صوره وبأشكال مختلفة، محافظاً على هوية وطنية أريد لها الاندثار من عدوها ومن بعض أبنائها حتى الذين يعتقد بعضهم بكل ما يحمله من جهل أن ما يقدم في هذا المركز هو عبارة عن رقص ليجد نفسه أكثر سعادة بهدم المبنى، وكأن الحفاظ على هوية وطنية خيانة لفكر غارق في الظلام حد الشفقة، ولم يخف بعضهم فرحته في الإعلان على وسائل التواصل الاجتماعي، هكذا يفعل الجهل وأكثر، وتلك أزمة كشفها هذا المركز بأن هناك من يصارعوننا ويلاحقون هويتنا من أبناء هذه الأرض.
كيف هدمت إسرائيل المبنى بكل بساطة؟ الأمر خارج المنطق، بقيت ليوم كامل متردداً في الذهاب إلى حيث جثمان المبنى الممدد على الأرض في كومة من الحطام الذي يحمل من الذكريات ما يكفي لشحن الذاكرة، فقد شهدت عدة مسرحيات هناك كانت تدعو للإعجاب والفخر بأننا وسط حالة البؤس والحصار تنتج هذا المستوى من المسرح. كان المركز يشهد على استمرار بقائنا وتمسكنا بالحياة والفن والحضارة، واستمرار مقاومتنا للموت الذي يتربص بنا من كل جانب، فقد حكم على هذه المنطقة بالإعدام إنسانياً وحضارياً وثقافياً. هذه المنطقة التي تعبر عن وطنيتها في أشد الظروف حلكة.. كان رأس الهوية الوطنية مطلوباً في كل المراحل.
كيف صادق نتنياهو أو ليبرمان عندما قُدّم لهم مقترح هدم مركز ثقافي؟ ألم يفكر أي منهم أو رئيس الأركان بالمسرح مثلاً. ولكن السؤال ما علاقة نتنياهو أو ليبرمان بالفن، فتلك بحاجة إلى ثقافة مختلفة عن ثقافة احتلال شعب آخر وحصاره.
لا شيء يبرر تدمير مؤسسة ثقافية وتسويتها بالأرض، سوى معاداة الثقافة، والانتماء لعصر ما قبل الحضارة، والانتماء لحالة طالبانية تعتبر أن في الثقافة الإنسانية ما هو معاد لها، أو داعشية لأن ما شاهدته هناك من مسرحيات بذلك الرقي الإنساني ومنافسات شعرية واحتفالات لا شك في أنها تراكم في إطار الثقافة الكونية، ففلسطين وإن حاولت إسرائيل عزلها عن العالم، فإن إرثها الحضاري تمدد منذ القدم ليغطي مساحات في هذا الكون، بدءاً من اختراع الزراعة واستقرار المجتمعات، وصولاً لما أهدته للبشرية من مسيحية حمل رايتها الفلسطيني عيسى عليه السلام.
إن الصراع على الذاكرة الجمعية، التي تتجسد بأشكالها في أعمال مسرحية فنية ووطنية لم تسلم من ملاحقة إسرائيل لها، هو أحد أشكال الصراع مع المؤسسة الإسرائيلية التي لم تكتف بطرد الفلسطيني من الأرض، بل لاحقته في محاولة لمسح الذاكرة الوطنية باعتبارها واحدة من أبرز تجليات البحث عن الوطن والحلم، وأحد أبرز دوافع التمسك بالمشروع الوطني في مواجهة المشروع الإسرائيلي.
غزة التي أعادت بعث المشروع الوطني كمدينة وحيدة تبقت على ساحل المتوسط، بعد أن كانت مدينة هامشية، تمكنت بما يشبه المعجزة من إعادة بعثه وإنتاج أدواته الكفاحية، ممثلة بالفصائل التي في معظمها هي نتاج هذه المنطقة، فالخلية الأولى لـ»فتح» من غزة، كذلك حركة «حماس» و»الجهاد الإسلامي»، وغيرهم، كان لا بد لهذه المنطقة أن تتعرض لعملية كي وعي أو مسح للذاكرة، ولكنها ظلت تعبّر عن هويتها في كل التفاصيل، وكان مركز المسحال الثقافي واحداً من مخازن تلك الذاكرة وليس مخزن أسلحة أو عملاً عسكرياً كما تقول إسرائيل في تبريرها الفاضح.