جوال jawwal

عشرة محرمات في فلسطين!! د. محمود الفطافطة

السبت 11 أغسطس 2018 12:08 م / بتوقيت القدس +2GMT
عشرة محرمات في فلسطين!! د. محمود الفطافطة



من نافلة القول، التأكيد على أن طرح مثل هذه العناوين تزيد الحديث توسعاً، والجدل تعقيداً؛ ذلك أن ما يراه هذا الفرد مُحرماً قد يراه آخر مُباحاً، وبالعكس، سيما في ما يتعلق بالقضايا السياسية والاجتماعية والثقافية. وعلى هذا الأساس، فإن المقصود بالمحرمات هنا لا تعني الشأن الديني أو العقائدي فحسب، بل تتجاوزها إلى الحقول السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وسواها.. فالمحرمات هي التي لا يتوجب، اطلاقاً، القيام بها، خصوصاً في حالتنا الفلسطينية التي تتفرد خصوصيتها بالحالة الاستعمارية، وهشاشة القوى السياسية؛ كنظام سياسي حاكم، أو أحزاب أيديولوجية رخوة، وما إلى ذلك من مجتمعٍ مدني متهالك نحو المال الأجنبي، عدا عن البنية الاقتصادية التي تتلاطم برياح التبعية لاقتصاد ذلك المستعمر المهيمن على الموارد الظاهرة والدفينة. وتجنباً للإطناب في التقديم، ندلف سريعاً نحو ذكر هذه المحرمات، دون الغرق في تفاصيل مبناها ومعناها ومغزاها، ذلك أن القارئ لديه القاعدة المعرفية والبنية الثقافية لإدراك " ماء" هذه المحرمات التي تسبح في " بحر لجي" تتقاطعه الأمواج العاتية، وتتقاسمه الصراعات الحادة والغامضة والدائمة... وقبل ذكر تلك المحرمات نشير إلى أن الترتيب في ذكرها لا يعني الأهمية المطلقة لها، بقدر وجوب الاهتمام البالغ بأبعادها وتأثيراتها..

1. الاستسلام للأمر الواقع الناجم من جبروت الاحتلال وسياساته.. فلا يمكن زوال المحتل إلا بزوال هذا الاستسلام عبر امتلاك ارادة القوة لمواجهة هذه الظاهرة الاستعمارية التي قد تطول لكنها لن تستمر..

2. التنازل عن الحق... التاريخ القديم والحديث يخبرنا أن الذين تنازلوا عن حقوق أمتهم كان مصيرهم بشعاً، وخلدتهم مجتمعاتهم بثوبٍ أسود من العار والذاكرة المقيتة.. التنازل عن الحق لا يعني اهدار الحق، بل أن هذا الحق سيبقى لأصحابه طال الزمن أم قصر.. ففلسطين أرض لا يعمر فيها ظالم، وقد جثم على أرضها أكثر من أربعين محتلاً.. فأين هم ؟ لقد زالوا مشهداً وتاريخاً وذاكرة...

3. مقاومة المقاومة: لا يمكن لأي كائن، أكان فرداً، أم مجموعة أم جماعة أم دولة أن تحارب أو تُنهي مقاومة شعب واقع تحت الاحتلال.. فالمقاومة أمرٌ فطري، وحقيقة واقعية، وضرورة إنسانية لكل من وقع تحت ربقة المستعمر أو نار الاستبداد والاستعباد.. لا يمكن لمقاومة الشعب الفلسطيني أن تنتهي.. إنه المستحيل.. قد تضعف، أو يتراجع منسوبها لكنها لن تموت... الثورات مثل تيارات البحار.. تتراجع قليلاً لكنها سرعان ما تعود إلى القوة والتمرد...

4. الانقسام: يمثل الانقسام الداخلي نكبة أخرى للشعب الفلسطيني.. فهذا العار سيلحق بكل أولئك الذين كانوا سبباً في احداثه، أو أداة معيقة لإنهائه.. إن هذا الانقسام سبب خلق احتقاناً وشرحاً داخلياً داهم البنى الاجتماعية والثقافية والوطنية الفلسطينية، وساهم في اضعاف القوة الوطنية في مواجهة المستعمر، عدا عن اضعاف او تراجع الاسناد الدولي للقضية الفلسطينية وعدالتها..

5. الفساد : يعتبر الفساد من أعظم النواهي التي أمر الله، سبحانه وتعالى، بتجنبها ، درءاً للشر، وتحقيقاً للصلاح والخير؛ لذا جاءت آيات القران الكريم غنية بلفظ الفساد ومشتقاته . وقد وردت كلمة " الفساد" في القرآن الكريم ست مرات، فيما يصل العدد الكلي لكلمات جذر الفساد " فسد" إلى خمسين مرة. فانتشار الترف والظلم وسوء استغلال المال العام، يعتبر "قانونا" لضياع الأمم وتفككها واضمحلالها. ويعاضد ذلك قوله تعالى: " وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ". وكما قال مالك بن دينار للبصريين الذين استسقوا المطر فلم يمطروا: "عجبا والله، تستبطئون المطر؟ أما والله إني استبطئ الحجارة من السماء" في كناية عن سوء الأحوال وانتشار الفساد كمقدمات لإهلاك الأمم وزوالها طبقا لسنة وقانون يحكم حركة الأمم .وهذا نفسه هو الدرس المستفاد من القصص القرآني لأقوام أنبياء الله تعالى ورسله السابقين . كما ويمكن التدبر في قوله تعالى: " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " ليظهر قانون الله تعالى وسننه في الكون الأمر الذي يبين إن الإسلام، وفي تأصيله النظري للفساد ومظاهره ونتائجه يذهب ابعد من كل بعيد ليركز سنة الله في حركة التاريخ رابطا بين الفساد وشيوعه وبين تفكك الأمم واضمحلالها في علاقة سببية لا ينفع معها كون هذه الشعوب مسلمة أو غير مسلمة حتى أن ابن تيمية يقول: "أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل أكثر مما تستقيم مع الظلم، فالله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة المترفة والفاسدة وان كانت مسلمة، فالدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام". فالفساد هو نقيض للصلاح بما يشمله من أضرار كالكفر والظلم والقتل وسفك الدماء وقطع الطريق والسحر وغيرها ، فكلها أفعال تخلو من الصلاح والاستقامة، وتقترب من معنى البطلان، إذ أن نقيض الحق ونقيض الصلاح، يلتقيان في معنى الشرك والظلم كما دلت عليه آيات القران الكريم.

6. المفاوضات العبثية: لم تكن مسيرة المفاوضات بين المحتل والجانب الفلسطيني إلا تنازلاً عن ثوابت وطنية، ناجما عن الترهل السياسي وفهم خاطئ للواقعية واشتراطاتها... إن المفاوضات لم تكن قائمة على مبدأ" التفاوض الأفقي"، أي مبدأ الندية، بل على أساس "التفاوض العمودي" القائم على الضعف الحاصل لدى الطرف الفلسطيني. هذه المفاوضات استغلها الاحتلال في قضم المزيد من الأرض، واقامة المستوطنات، وايهام العالم بأن " إسرائيل" دولة سلام ..

7. الاحباط: يؤدي الاحباط إلى اليأس الذي يؤدي بدوره إلى العجز والاستسلام.. الاحباط مرضٌ خطير في حال استشرى في الشخص، إذ يحوله من إنسان إلى كائن إلى شيء هش... قد يتعرض المرء حيناً، بفعل صعوبات مادية أو انسانية، إلى الاحباط، لكن عليه أن لا يسمح لهذا الاحباط أن يتسلل الى ارادته أو يضعفه أمام نوازع الشر، وهمجية الأشرار.

8. الحيادية: لم تكن الحيادية يوماً إلا مدرسة لأولئك العاجزين عن رد الظلم، ومواجهة الظالمين.. الحيادية سيف الضعيف، وصوت المغلوب على أمره.. الحيادي هو الذي وصفه الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال: "الحيادي قد لا ينصر الباطل لكنه خذل الحق"... الحيادية هنا، هي التي تتعلق بمقاومة الاحتلال، لا الاصطفاف إلى هذا الطرف أو ذاك فلسطينياً.. فمواجهة الاحتلال لا يوجد فيها الحيادية، أما التنازع والتحارب بين أطراف فلسطينية على قضايا غير وطنية فالحيادية قد تكون الأوجب، مع ضرورة التدخل في الاصلاح ورأب الصدع ...

9. الهجرة: الوطن هو التربة التي يتغذى منها الانسان بوجد الانتماء وخلود الذاكرة وعطر الذاكرة وعبق " العزوة" ومداد البناء. وطن فيه المرء يولد وبه يعتز وإليه يعود ولو طاف بلدان وقارات.. معظم عظماء العالم كانت وصيتهم أن يدفنوا في مسقط رأسهم، ولنا في مانديلا مثالا على ذلك الذي دفن في قريته الصغيرة " كونو" بجنوب أفريقيا. لا اشجع اطلاقاً على الهجرة من الوطن لا سيما للشباب إلا في أمور مهمة جداً مثل ( العمل، الدراسة، التدريب، الترفيه، والعلاج) ومن ثم العودة... الأعداء يعملون دوما لتفريغ هذا الوطن من ابنائه ..لذا علينا ان نكون متيقظين من ذلك.. الهجرة من بلد لآخر ليس كالهجرة من فلسطين لخارجها.. فلسطين محتلة وهجرة اي شخص منها له مضاعفات سلبية مستقبلية على الوطن والبعد التحرري له.. الوطن أحق أن يبقى به ابنائه وشبابه.. أليس هذا الوطن هو الذي رباهم وعلمهم .. أليس له الحق أن يبنوه ويحصنوه من لوثة فاسد أو قسوة محتل ؟ .. أليس هذا الوطن هو الذي يتجرع مرارة أبشع احتلال عرفته البشرية ويحتاج الى رجال يحرروه ، لا الى اناس يهجروه جسداً وقلباً وانتماءً.. لا ندعوا أبداً الى عدم السفر من فلسطين لأمر ضروري لكن لا نريد لأحدٍ، سيما لشبابنا أن يكون بئس الحالة الخاصة والعامة دافعاً لهم لكره الوطن والهجرة منه .. علينا جميعاً بالصبر والثبات .. أليس الحياة هي الجهاد الأكبر .. أليست فلسطين هي أرض الرباط ، فلنرابط بها حتى لا نتيح لعدونا أن يسلب المزيد منها ...نتمنى أن ينقطع نزيف هجرة شبابنا ، لأن في هجرتهم نزيف للوطن ..نزيف يصادر القوة ، ويُجهض المنعة ، ويطمس مقومات الأمل ، ويعتم فضاءات التحرر والحرية. نتمنى أن ينتهي سؤال الهجرة ليبدأ سؤال العودة !!.

10. التكفير والعنصرية: لا يجوز لأحدٍ أن يكفر آخر( سياسيا، وايديولوجياً، وعقائدياً) لأنه مختلف معه في الثوابت والمواقف والآراء .. فكما قال تعالى عز وجل " لكم دينكم ولي دين" . وقال أيضاً " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين".. فسنة الحياة هي الاختلاف بين البشر، عقلا ولغة وديناً وتاريخاً.. الاختلاف رحمة، أما الخلاف فنقمة وعذاب.. علينا أن لا نحارب معتقد إلا إذا قام أصحابه باحتلال أرضنا أو الاعتداء على أنفسنا وأموالنا وأعراضنا.. المسلم لم يحارب المسيحية؛ بل حارب الحروب الصليبية.. الفلسطيني لم يحارب اليهودية كديانة؛ بل يحارب اليهود كعقيدة صهيونية محتلة لأرض الآخرين.. وكذلك الحال بخصوص العنصرية، فإن أبغض الصور والتجليات هي سلوكيات أولئك الذين يرون في الآخرين أقل منهم انسانية وآدمية، وبالتالي يبررون لأنفسهم الاعتداء عليهم وسلب أموالهم وأنفسهم.. العنصرية داء لا يمكن التخلص منه إلا بانتزاع مسببه وهو عقدة الاستعلاء والتملك الظالم...