جوال jawwal

القدس وحماية الشرعية أولاً ..مهند عبد الحميد

الثلاثاء 17 أبريل 2018 12:27 م / بتوقيت القدس +2GMT
القدس وحماية الشرعية أولاً ..مهند عبد الحميد



تسلّم أعضاء المجلس الوطني دعوات للمشاركة في دورته التي ستعقد برام الله يوم 30 نيسان الجاري، تحت شعار "القدس وحماية الشرعية الفلسطينية". وكانت اللجنة التنفيذية للمنظمة قررت عقد دورة عادية للمجلس الوطني في اجتماعها، يوم 7 آذار الماضي، بأعضائه الحاليين 765 عضواً. الجديد هو الإعلان عن اجتماع المجلس الوطني في دورة عادية ولكن في ظروف غير عادية بكل المقاييس. فقد سبق وأن توافقت اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني، في اجتماع بيروت كانون الثاني 2017، على عقد مجلس وطني يضم كافة القوى وفقاً لإعلان القاهرة 2005 واتفاق المصالحة 2011، من خلال الانتخاب والتوافق. لكن اللجنة التحضيرية لم تجتمع منذ ذلك التاريخ. وعندما قررت اللجنة التنفيذية عقد الدورة الجديدة رقم 22 اندلعت الخلافات الفلسطينية بين مؤيد لعقد الدورة ومعارض لها.
ينطلق المؤيدون لانعقاد دورة جديدة للمجلس الوطني من ضرورة التصدي للمخاطر الداهمة الممثلة بصفقة القرن، التي تتضمن تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية جملة وتفصيلاً، وكان من بواكيرها الصادمة ضم مدينة القدس بشطريها واعتبارها عاصمة لدولة الاحتلال، وإخراج قضية اللاجئين من التفاوض. رفض الصفقة من خلال المجلس الوطني الذي يعد أهم مؤسسات الشرعية الفلسطينية على الإطلاق له مغزى كبير، ويعتبر رداً فلسطينياً بليغاً على المسعى الأميركي الإسرائيلي لتقرير مصير الشعب الفلسطيني من طرف واحد وبالضد من مصالحه وحقوقه ومن حقه في تقرير مصيره بنفسه دون وصاية أو تدخل من أحد. أن تتخذ الشرعية الفلسطينية الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني موقفاً حازماً من صفقة ترامب، هذا الموقف سيخلخل  ويضعف التقاطعات العربية مع الصفقة، والأهم أنه سيشكل الغطاء السياسي لتصعيد النضال الفلسطيني ضدها وضد الضغوط التي تمارس على المؤسسة والشعب الفلسطيني، وصولاً إلى عزل الصفقة والمروجين لها وإلحاق الهزيمة بهم وبصفقتهم. سبب آخر يستند إليه المؤيدون لعقد دورة المجلس الوطني في هذا التوقيت، هو الدفاع عن الشرعية الفلسطينية في مواجهة المساعي الأميركية والإقليمية للتعاطي مع وكلاء يشكلون غطاء فلسطينياً للصفقة، أو صناعة شرعية جديدة تعمل بالمواصفات الأميركية الاسرائيلية، هذا السبب يبرر أيضاً تقوية الشرعية الفلسطينية والدفاع عنها بالذهاب إلى دورة المجلس الوطني وإعادة انتخاب لجنة تنفيذية جديدة وانتخاب أعضاء جدد بدل المتوفين. 
أما المعارضون لعقد الدورة فهم يستندون إلى توصية اللجنة التحضيرية، قبل عام و3 أشهر، بعقد مجلس توحيدي يضم الجميع. سبب آخر يقدمه المعارضون وهو مكان انعقاد المجلس في رام الله الذي لا يسمح بمشاركة كثيرين. السبب الثالث هو الالتزام باتفاقات المصالحة لعامي 2005 و2011 التي تنص على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وانتخاب المجلس الوطني الجديد حيث أمكن ذلك أو بالتراضي. المعارضون الذين يقدمون أسباباً فيها وجاهة من حيث الشكل يقفزون عن الخطر الداهم الذي أحدثته صفقة القرن الذي يستدعي تدخلاً طارئاً من قبل الشرعية الفلسطينية. وبهذا المعنى فهم يَفصلون استحقاقات اللحظة السياسية المتفجرة عن استحقاقات التغيير المتراكمة منذ عقود، وكأن شيئاً لم يكن. الغريب في الأمر أن تنظيمات أساسية في منظمة التحرير اشتهرت بحساسيتها المفرطة تجاه الشرعية الفلسطينية تتعامل لحظة تهديد الشرعية بنوع من الخفة. وإذا كان من المفهوم مقاطعة حركة "حماس" للمجلس الوطني وللمجلس المركزي، حيث لم تكن يوماً في مؤسسات المنظمة عندما كانت بمسمى تنظيم الإخوان، لا في مراحل صعودها الوطني والنضالي، ولا في مرحلة الانتفاضة الأولى، ولا في مراحل الأزمة والمأزق الذي دخلت فيه المنظمة بعد أوسلو. بهذا المعنى فإن انعقاد المجلس دون حركة "حماس" للمرة 22 من مجموع 22 مرة لا يحمل جديداً، ولا يعني أنه مجلس انفرادي أو انقسامي حتى يصار إلى مقاطعته من قبل فصائل من داخل منظمة التحرير.
ثمة ضرورة لعقد مجلس وطني توحيدي استناداً إلى أسس وطنية وديمقراطية، يكون مرجعية وحيدة للكل الفلسطيني، لقد أخفقت المحاولات السابقة للوصول إلى هذا المجلس، والأسباب لا تقتصر على تفرد "فتح" وإصرارها على أن تبقى حزباً حاكماً طوال الوقت، ولا على مسار "حماس" التاريخي التي عملت من خلاله بشكل مواز للمنظمة، ولم تقبل في أي وقت أن تكون جزءاً من الكل الفلسطيني، بل آثرت استبدال تفرد بآخر حتى لو كان ذلك باستخدام القوة والانقلاب العسكري. السبب الأهم من وجهة نظري هو إخفاق التنظيمات اليسارية والنخب الثقافية في بناء كتلة قوية ديمقراطية تستطيع أن تترك بصماتها على القرار وتفرض أشكالاً من الإصلاح الديمقراطي التدريجي في مؤسسات المنظمة. للأسف لقد استعاضت تنظيمات اليسار مجتمعة ومنفرده عن مهمة دور القطب الثالث أو دور بيضة القبان بمعناها الإيجابي إلى دور الوسيط المتباكي على الانقسام الداعي إلى تحقيق الوحدة، متجاوزة أيضاً أيديولوجيتها التي تدعو إلى دور خاص يساري مستقل ومنقذ الشرعية؛ باعتبارها صمام أمانها، ذاهبة إلى خندق اللاشرعية "حماس"، قبل أن تتلاءم الأخيرة مع المقومات الضرورية للشراكة بأن تعتمد مرجعية فلسطينية قولاً وفعلاً كبديل لمرجعية مركز "الإخوان المسلمين"، وبأن تنتقد انقلابها العسكري الذي أدى إلى كارثة للمواطنين في قطاع غزة، وتلتزم بالتبادل السلمي لمركز القرار والسلطة. ودون ذلك فإن دخول "حماس" إلى مؤسسات المنظمة لا يحتمل أكثر من تفسير هو استبدال سيطرة من طبيعة براغماتية ديمقراطية نسبياً، بسيطرة من طبيعة أيديولوجية غير ديمقراطية. وجه الغرابة يكمن هنا، في إسقاط تنظيمات اليسار ضرورة استيفاء "حماس" لمقومات عضويتها وشراكتها في المنظمة ومؤسساتها، ليس هذا وحسب بل والانتقال إلى مواقفها التاريخية العدمية المقاطعة للمجالس الوطنية في كل الظروف. هذه التنظيمات تقدم نفسها ذائدة عن الوحدة في الوقت الذي تعزز فيه الانقسام بمقاطعة دورة المجلس الوطني التاريخية، غير عابئة بخطر إسقاط الشرعية أو استبدالها – مؤتمر المانحين لإنقاذ قطاع غزة – في واشنطن.
اختم مقالي بالتمني على تنظيمات اليسار التي أعلنت مقاطعتها، المشاركة في دورة المجلس 22، ووضع خطتها للإصلاح والوحدة بشكل مستقل عن التفاهمات التي أبرمت بين "فتح" و"حماس" بضغوط عربية وإقليمية. كما أدعو حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إلى المشاركة السياسية في دورة المجلس ليتحقق الإجماع الفلسطيني ضد صفقة ترامب. 
[email protected]