جوال jawwal

أوروبـــــا الــقـــادمـــــــة...حسين حجازي

السبت 13 يناير 2018 04:40 م / بتوقيت القدس +2GMT



هل أدرك الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف نفسه أخيراً بالعبقري، بعد مرور هذا الشهر العاصف الذي أثاره بقراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أنه ارتكب خطأ كبيراً يرتقي إلى الحماقة، وأننا نحن الفلسطينيين الذين تجاهلنا بل واستفزنا من يملك حق النقض "الفيتو" على هذه العملية السياسية وفي إطارها، لأنه من دوننا لا يمكن تحقيق هذه العملية أو إتمامها، وأننا حجر الزاوية الذي تحدث عنه السيد المسيح ومن دونه لا يمكن عقد صفقة القرن، ولا إقامة التحالف الإقليمي العربي السني ضد ايران ولا يحزنون. وبالتالي تقويض إستراتيجية الرجل لتحقيق ما أسماه اختراقه التاريخي الذي عجز جميع أسلافه من تحقيقه.
والراهن أنه مر وقت كنا فيه شهوداً عند مهاد ولادة وصعود حركة التحرر الوطني الفلسطيني في عقدي السبعينيات والثمانينيات، كانت فيه الإدارات الأميركية المتعاقبة هي التي تلوح أمامنا بشروط قبولنا أو إشراكنا في هذه العملية السياسية لتحقيق السلام وحل الصراع، شروط هنري كيسنجر الشهيرة لرفض الاعتراف أو التحدث معنا. ولكن هل ما يحدث الآن هو معادلة جديدة نحن من يحدد الشروط أمام أهلية هذه الإدارة الأميركية للتحدث معها، واعتبارها وسيطاً يمكن التعامل معه لحل النزاع؟
وقالوا في الأيام الأخيرة مباشرة أو عبر وسطاء بعد فشل تهديداتهم :مهلاً أيها الفلسطينيون، ولكنكم تدركون وسوف تدركون أخيراً أنه من دوننا نحن الأميركيين لا يمكن لهذه العملية أن تمضي، وأنه لا غنى عن دورنا. لكن الجواب على ذلك جاء هذه المرة كما راهنا وتمنينا وانتظرنا في الواقع أي من الاتحاد الأوروبي، وذلك بالرد أولاً والذي تبدو مقدمته الانتقال الأوروبي إلى الهجوم في تثبيت الدعم للاتفاق النووي مع إيران، وذلك نكاية بموقف ترامب الذي خابت توقعاته بأنه حان الوقت لحدوث ثورة في إيران لتغيير نظام الحكم. وقال الأوروبيون: إن الوقت لوضع خارطة طريق وحل الصراع على قاعدة حل الدولتين نهاية هذا الشهر في بروكسل.
وعلى أساس هذه الطريق، كان الاتصال الهاتفي الذي أجراه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز مع الرئيس عباس، هو مؤشر لنقطة مهمة في توضيح أو انجلاء الالتباس أو الغموض أو الأقاويل التي أثيرت في الأسابيع الماضية حول حقيقة الموقف السعودي، وكان الملك حريصاً على أن يؤكد للرئيس أبو مازن أن هذا هو الموقف السعودي: إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967. 
وإذا كان لا معنى لما يسمى تسوية إقليمية لتضغط على الفلسطينيين أو تحاصرهم من الخارج من دون السعودية، فما هو المصير الفعلي لما يسمى بصفقة القرن أو إعادة تركيب هذه القنطرة أو الحلف الإقليمي؟ وإذا كان الجواب هو لاشيء، فإن السؤال الآن كيف يقوم ترامب وفي الأيام القادمة بإخراج الحجر الذي ألقاه في البئر؟ وقد كانت النظرية أو المناورة الذكية دوماً هي كيفية إيصال الحصان للشرب من البئر، وما هي الخيارات أو مجال المناورة أمامه؟
والخيار أو المخرج الذي أوقعت هذه الإدارة نفسها فيه واضح، بتصحيح أو تعديل التصريح المذكور الذي ألقاه ويبدأ بكلمة "حان الوقت" والاعتراف تالياً بأن قراره السابق وسيئ الصيت يصادر على المفاوضات مسبقاً، وأنه استكمالاً لقراره هذا يعترف بأن القدس الشرقية هي عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة، لأنه ما فات الرجل أن جميع التسويات تقوم على قدر من توازن أو تعادل الرضا المتبادل أي رابح ورابح، أو عدم الرضا المتبادل، أي الرضا المنقوص، وهو لم يراع أياً من هذه العوامل. 
ولكن العامل الأهم هو أنه خالف روح العدالة التي تحدث عنها السيد المسيح، الذي رأى أن أساس الظلم كامن في أن "من له فيزاد وأن من عليه يؤخذ منه"، أي أن من لديه 78% من أرض فلسطين وهي نسبة قال مرة شمعون بيريس إنها تكفينا، يريد هذا  المدعي أن ينتقص ممن لا يملكون سوى 22% ليزيد الإسرائيليين. والباعث على الحيرة أنه هو من تحدث في وقت سابق عن ضرورة حياد الوسيط أي حياده المقبل، وأن الفلسطينيين لا يملكون سوى القليل.
لكن حتى لو فعل ذلك، أي القيام بتصحيح خطابه، هل يمكن للفلسطينيين أن يثقوا بدوره الوسيط؟ والجواب هو أنهم سوف يرحبون بذلك، وربما أن السعودية تقوم من طرف خفي عبر الدبلوماسية السرية بإيصال الوضع إلى هذه النتيجة، أي تراجع إدارة ترامب ولكنه من المشكوك فيه أن نواصل القبول أو الارتهان كما كان الوضع في السابق إلى رحمة الوسيط الأميركي. وربما أنه ليس وحدنا اليوم من بات مقتنعاً بأنه حان الوقت لتغيير قواعد هذه اللعبة، التي لم تؤد بنا إلى حل هذا الصراع. 
وإن ما ألمح إليه الأوروبيون، أول ومن أمس، هو رسالة واضحة إلى الإدارة الأميركية بقرار اتخذوه يقوم على كسر هذه الأحادية والاحتكار إزاء المسألة الإيرانية أولاً، وبعد ذلك هنا إزاء فلسطين ثانياً. حين أوضح الأوروبيون أن تثبيت الاتفاق مع إيران هي مسألة تدخل في صلب الأمن القومي لأوروبا، وعليه فإن قرار إلغاء الاتفاق مع إيران هو قرار يخص أميركا وحدها، ولن تكون أوروبا طرفاً فيه. تماماً كما قالت أوروبا: إن إعلان اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل هو قرار يخص ترامب ولا يخص أوروبا.
لكن بعد ذلك وهذا الدعم الكبير وغير العادي الذي تلقته إيران من الاتحاد الأوروبي في مواجهة الأميركيين، فإن السؤال الذي لم يطرح بعد: ما هي ردود فعل إيران المتوقعة الآن وهي تراقب وتعرف أن الهدف الرئيس لهذا الحلف الإقليمي هو رأس نظامها، ولا سيما بعد فشل الرهان على الاحتجاجات الداخلية في التحول إلى ثورة لتطيح هذا النظام؟ وإذا كانت إيران وهي ترى إلى هذا الخطر القادم إليها لن تقف مكتوفة الأيدي أمامه، وسوف تحاول الرد بصورة استباقية عليه بعيداً عن حدودها، فهل يعني ذلك أننا قد نشهد هذا الرد عبر الجبهة السورية واللبنانية ربما؟ وأين يقع التقدير الاستخباري العسكري الإسرائيلي الأخير باندلاع حرب حقيقية في المنطقة خلال هذا العام؟
أما السؤال الذي نطرحه فلسطينياً اليوم وأمام انعقاد المجلس المركزي الفلسطيني غداً، فهو عن ثقل أي أرجحية في التحليل الثنائي لمعادلة الفرص والمخاطر، كما يمكن الاستنتاج في ضوء كل هذه الوقائع؟ والجواب قد يكون كما لاحظ الأخ أحمد المجدلاني عضو اللجنة التنفيذية بحق أمام أرجحية هذا الفرص. إذا كانت هذه الفرصة السانحة هي إعادة تركيب هذه العملية وشروط التفاوض على قواعد ومداميك جديدة، تدخل فيها أوروبا كطرف رئيس أو مؤثر ووازن على هذه المفاوضات، وتستطيع ممارسة الإكراه السياسي. وحيث إسرائيل لا يمكنها أن تدفع ثمن اعتراضها على هذا الدور إذا كانت أوروبا هي الشريك التجاري الأول والأكبر لإسرائيل، وأوروبا هي التي تملك ورقة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. 
وهنا أي مغزى أو دلالة لتصريح مايكل بنس نائب الرئيس الأميركي قبل قدومه إلى المنطقة، عن أن نقل السفارة الأميركية إلى القدس قد يستغرق سنوات وسنوات، فهل هو مقدمة لكلام آخر؟