جوال jawwal

حزب الله بعد تدخله في الأزمة السورية: إلى أين؟مركز مسارات

الإثنين 25 سبتمبر 2017 02:59 م / بتوقيت القدس +2GMT
حزب الله بعد تدخله في الأزمة السورية: إلى أين؟مركز مسارات




تقدير موقف
إعداد

زياد القواسمي، محمد غروف

مشاركان في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي"
 

24 أيلول/سبتمبر 2017

مقدمة

منذ تدخل حزب الله عسكريًا في سوريا، بالتزامن مع تدخل إيراني ضمن تحالف إستراتيجي سياسي دعمًا للنظام السوري، حرص حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، على التأكيد على "أن قوة المقاومة تزداد يومًا بعد يوم،  وأن أي حرب على لبنان مهما كانت أهدافها لا توازي ولا تستأهل الكلفة التي ستتحملها إسرائيل".[1] ويقابل ذلك تركيز إسرائيل على الدعاية الواسعة حول قدرات حزب الله، ونموها، وتهديدها المستمر بوقف هذا النمو المتصاعد بكل الطرق، لا سيما بالمواجهة العسكرية. ورغم ذلك فإن ما سبق لا يلغي جدارة السؤال: هل يصح القول إن قوة حزب الله لم تتراجع، مع دخوله معركة في جبهات جديدة ومتسعة وعلى مدى سنوات؟

منذ الإعلان عن تأسيس حزب الله رسميًا في العام 1985 وهو في صعود وتنامٍ على مستوى امتلاك القوة والقدرات، فلم يعد يمتلك الحزب الأسلحة الخفيفة كصواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى فقط، بل تطورت إمكانياته، وأصبح يمتلك صواريخًا إستراتيجية بعيدة المدى وصواريخًا مضادة للدروع. وزادت قدرات الحزب ما بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، وظهرت هذه القوة بشكل واضح  في حرب 2006.

ومن جانب آخر، وفي الساحة اللبنانية، سيطر الحزب على مفاصل جغرافية إستراتيجية، وتحول إلى حزب مهيمن له حاضنة شعبية قوية، وحلفاء أقوياء، واستطاع أن يفرض وجودًا إستراتيجيًا له في بعض المفاصل المهمة والحيوية، مثل تواجده في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت لتسهيل حركة دخول الأفراد، ممن يريد، من وإلى لبنان، وربما لتهريب السلاح.[2]

وعلى الصعيد العسكري، تصاعد أداء حزب الله على الأرض منذ تأسيسه منفذًا عددًا من العمليات النوعية ضد مواقع الجيش الإسرائيلي، مما أجبر إسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني. وتشير مصادر حزب الله إلى أن متوسط العمليات العسكرية التي شنها خلال الفترة (1991-1989) بلغت 292 عملية، وخلال الفترة (1992-1994) بلغت 465 عملية، أما خلال الفترة بين (1997-1995) فبلغت 736 عملية.[3]

كان لحزب الله وجود في سوريا وإيران بغرض التدريب والدعم اللوجستي وتبادل الخبرات، وتطور هذا الوجود إلى الاشتراك المباشر في الحرب الدائرة في سوريا من خلال مقاتليه.

هناك بعد إستراتيجي لتحالف حزب الله وسوريا وإيران، إذ لعب نظام الأسد دورًا حيويًا في نقل الأسلحة والمعدات والأموال من إيران إلى حزب الله في لبنان، وأرسل النظام الإيراني جوًا أعدادًا كبيرة من الأسلحة إلى دمشق. ولا تقتصر أهمية سوريا لحزب الله على دورها كقناة للدعم المالي والمادي، فقد وفر الأسد ملاذًا آمنًا لمعسكرات تدريب الحزب وتخزين الأسلحة.[4]

في بداية الاحتجاجات في سوريا في العام 2011، أعلن ن نصر الله علنًا دعم الحزب للأسد، وفي 30 نيسان 2013 ألقى نصر الله خطابًا اعترف فيه بدور للحزب في سوريا دعمًا للنظام.[5]

تواجدت عناصر الحزب في البدايات في مدينة القصير بحمص لمساعدة قوات نظام الأسد في السيطرة على المدينة، وتواجد الحزب أيضًا في بلدة السيدة زينب بريف دمشق التي كانت تعد أهم جبهات القتال بين الجيش الحر وحزب الله، وبرر الحزب تدخله بالدفاع عن مقام السيدة زينب، ومن ثم تواجد في الشمال بريف حلب، وقاتل في بلدتي نبل والزهراء.[6]

وبات الحزب يتواجد في معظم المناطق السورية بعد أن استطاع وحلفاءه السيطرة على مناطق جديدة، والتوسع فيها، وخصوصًا المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، والتي كان آخرها دير الزور في أيلول الجاري.

ازداد حجم الاستثمار الإيراني في سوريا من خلال حزب الله، عبر توفير القدرات التي يفتقر إليها شركاؤه. إذ إن الاعتماد على المدربين والمستشارين من حزب الله لمساعدة القوات الموالية للنظام أفضل من الإيرانيين، لأنهم يتكلمون العربية، ولهم خبرة قتالية اكتسبوها في قتالهم ضد إسرائيل في جنوب لبنان. ويتألف الجيش السوري أساسًا من وحدات ثقيلة يصعب عليها العمل في البيئات الحضرية ضد مجموعات مسلحة خفيفًا.[7]

أدت هذه المشاركة إلى تبرير التساؤل عن أثرها على قوة حزب الله، ويمكن الإشارة فيما يأتي إلى عدد من المؤشرات التي تعزز فرضية أن الحزب ازداد قوة، يليه عدد من المؤشرات التي تتعارض مع هذه الفرضية، وتشير إلى نقاط ضعف بسبب المشاركة.

مؤشرات تنامي قوة حزب الله

عمل الحزب على تنمية قدراته في حال أي مواجهة مع إسرائيل، وخدمته في هذا الجانب العديد من المعطيات.

القوة الصاروخية لحزب الله

تطورت القوة الصاروخية للحزب بشكل لافت في سوريا، فزاد نقل السلاح من إيران وسوريا إلى الحزب. ويمتلك اليوم صواريخ إيرانية متوسطة المدى، وبعيدة المدى كصواريخ "فجر" و"زلزال" و"رعد" والفاتح، إضافة إلى صواريخ روسية مضادة للدبابات وللطائرات جرى نقلها من سوريا إلى إيران.[8]

وحسب صحيفة "واي نت" الإسرائيلية، فإن الحزب يمتلك 110 من صواريخ الفاتح التي تتميز بدقة الإصابة والقدرة التدميرية.[9]

القدرة التكنولوجية والجوية

يمتلك حزب الله أسطولًا من الطائرات بدون طيار يستخدمها بشكل واسع في سوريا لتعزيز قدرته هناك. واستخدم الحزب هذه الطائرات في العامين 2004 و2006 بشكل محدود، وزاد استخدامها منذ العام 2014. كما عمل الحزب على تطوير معرفته بهذا النوع من الطائرات في سوريا، حيث قال موقع "واللا" العبري إن الحزب يمتلك حاليًا أكثر من 150 طائرة من هذا النوع.[10]

وأشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنامين نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2015 إلى أن حزب الله يعمل منذ سنوات على امتلاك منظومة دفاع جوي متطورة تكنولوجيًا موجودة لدى الجيش السوري، وبحسب نتنياهو، وصل إلى حزب الله صواريخ مضادة للطائرات نوع (SA22)، وصواريخ أخرى دقيقة الإصابة للهدف.[11]

الخبرة والكفاءة

يقر كبار القادة الإسرائيليين أن مقاتلي حزب الله باتوا أكثر خبرة وكفاءة وتطورًا، وأصبح لدى الحزب جيشًا محترفًا.[12]واستنادًا إلى موقع "ماكو" العبري فإن الحزب بات يمتلك عشرات الآلاف من المقاتلين بين نظامي واحتياط، وأصبح حاليًا أكثر انتشارًا وقوة أضعاف ما كان عليه في العام 2006. كما يمتلك الحزب وحدات النخبة المتخصصة بالمهمات اللوجستية والعمليات الهجومية والسيطرة على الأرض. 

جغرافيا حزب الله تتمد

نشر حزب الله قواته على مساحات واسعة بين سوريا ولبنان، بعد أن كانت مقتصرة على مواقع محددة في جنوب لبنان. وهذا الانتشار لم يعد يحمل بين ثناياه وظيفة تكتيكية، بل تعدى الحزب هذه الوظيفة بكثير، وأصبحت هذه الوظيفة إستراتيجية متعلقة بالحزب باعتباره لاعبًا إقليميًا وليس فقط محليًا، وبذلك حافظ الحزب إستراتيجيًا على تحالفه مع إيران وسوريا الشريان المغذي له.

مكانة حزب الله في الساحة السياسية اللبنانية

نجح الحزب في تعزيز مكانته في الساحة اللبنانية، وتوج ذلك في انتخاب العماد ميشيل عون رئيسًا للبنان في العام 2016، وهو المنصب الذي بقي شاغرًا لفترة طويلة إلى أن امتثلت جميع مكونات النظام السياسي اللبناني المبني على الطائفية لإرادة الحزب، ويعد عون حليفًا بارزًا لحزب الله وسوريا.

مؤشرات ضعف حزب الله بعد التدخل في سوريا

مؤشرات القوة التي تم ذكرها لا تعطي التحليل الكامل لوضع حزب الله الحالي، فالحزب يعاني من مؤشرات ضعف قد تؤثر عليه مستقبلًا، خصوصًا في أي مواجهة قادمة مع إسرائيل.

الخسائر المادية والبشرية

وفق تحقيق أجرته مجلة نيوزويك، خسر حزب الله ما لا يقل عن 1048 من مقاتليه في سوريا، بين 30 أيلول 2012 و10 نيسان 2017، إضافة إلى 60 قائدًا ميدانيًا، من بينهم مصطفى بدر الدين. وحسب المجلة فإن هذه الأعداد في الحد الأدنى. وبينت أن ذروة أعداد القتلى كانت في العام 2013،  فقد خسر الحزب نحو 100 مقاتل في أيار 2013، بعد هجومه على مدينة القصير، وخسر 50 عنصرًا في حصار حلب في العام 2016.[13]

كما تكبد الحزب خسائر مادية فادحة، فعلى سبيل المثال، أصدر "مصرف لبنان" (المصرف المركزي اللبناني) بتاريخ 3/5/2016 تعميمًا دعا فيه كافة المصارف إلى إغلاق حسابات تعود إلى أفراد ومؤسسات مرتبطة بـحزب الله. وقد صدر هذا التعميم في أعقاب تشريع جديد أصدرته الولايات المتحدة عُرف باسم "قانون مكافحة تمويل حزب الله دوليًا. وتمّ توقيعه ليصبح قانوناً في منتصف كانون الأول 2015. وقد سبّب إغلاق مئات الحسابات حالة من الذعر في أوساط مؤسسات وكيانات مرتبطة بالحزب.[14]

وعلاوة على ذلك، هناك الالتزامات المادية الباهظة التي يتكبدها الحزب كتعويض أو تغطية لنفقات عائلات القتلى، والتكاليف المترتبة على تجنيد شبان جدد للمشاركة في القتال. وفي العام 2016، أطلع أحد الوزراء السابقين صحيفة "فاينانشال تايمز" على أن حزب الله كان يدفع رواتب 80 ألف فرد، ما يعني أن 400 ألف شخص يعتمدون على هذه الرواتب، وذلك باحتساب أفراد أسر من يتقاضون الرواتب. وهذا يشمل مؤسسات عسكرية ومدنية وخدمية.[15]

تراجع التأييد الشعبي لحزب الله  

كسب حزب الله تأييدًا شعبيًا عربيًا واسعًا على خلفية مواجهاته العسكرية مع إسرائيل، ولكن بعد تدخل الحزب في سوريا خسر جزءًا من التعاطف والتأييد الواسعين في الشارع العربي والإسلامي، وفقد الكثير من تأييد السنة، وبرزت النزعة الطائفية الشيعية لدى الحزب، فتزعزعت ثقة الجماهير به. وهذا مؤشر خطير للحزب كمؤسسة أو منظمة كانت تعتمد على شرعية من الجماهير.

الهجمات الصاروخية التي تعرض لها الحزب

شددت إسرائيل في وسائل إعلامها على أنها لن تسمح بتغيير ميزان القوى في المنطقة، في إشارة منها إلى عدم السماح لحزب الله بامتلاك أسلحة نوعية وإستراتيجية. وبحسب مقال نشر في صحيفة "بديعوت أحرنوت"، فإن إسرائيل نفذت تهديداتها، وقامت بضرب التعزيزات والقوافل العسكرية التي كانت تنقل من سوريا إلى الحزب.[16]

في المقابل، لم يكن هناك رد عسكري من حزب الله، مما يضع العديد من علامات الاستفهام حول القدرات الحقيقية لحزب الله للرد على إسرائيل في حال تعرضه لهجوم.

الخصوم في الساحة السياسية اللبنانية

لم يرق لخصوم حزب الله السياسيين تدخله في الساحة السورية، حيث جدد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري رفضه لسلاح الحزب ولتدخله في سوريا، منددًا بـ"جرائم نظام الأسد". كما شدد على أن هذه المواضيع لا تزال محور خلاف وليس عليها توافق في مجلس الوزراء، ولا في مجلس النواب.[17] ما يعني، على صعيد الجبهة الداخلية، أن النظام السياسي اللبناني لا يدعم الحزب قي توجهاته، الأمر الذي من الممكن أن يوثر عليه في أي مواجهة مع إسرائيل من منطلق أن الحزب عندما يأخذ قرار الحرب فإنه يأخذه بشكل فردي بعيدًا عن مؤسسات الدولة.

عبء الجغرافيا والمكان

إذا كان التمدد الجغرافي لحزب الله يمكن رؤيته من زاوية كمؤشر قوة، فمن جهة ثانية فإن الجغرافيا ستكون عبئًا ثقيلًا على الحزب، إذ إن تواجده في سوريا يضعف جبهته في الجنوب. ومن سوء حظه، أن إسرائيل لها شريط حدودي مع سوريا، وهذا يفرض على الحزب جبهة ثانية، وسيكون مطلوبًا منه الرد على أي اختراق أو استفزاز إسرائيلي تجاه سوريا. وأما عدم الرد فسيظهره بمظهر المحرج، وهذا ما يحصل حاليًا.

خاتمة

وكخلاصة لأربع سنوات تقريبًا من تدّخل حزب الله في سوريا، فقد باتت طموحاته العسكرية مرئية، وتسبب قلقًا أكبر لإسرائيل التي تولّدت لديها مشاعر مزدوجة من الحذر والإقدام على حرب جديدة معه، علمًا أن النتائج على الأرض، وفي ظل المتغيرات الدولية، أصبحت لصالحه. وإن كانت الكلفة البشرية التي دفعها عالية، ولكنّ عند إجراء جردة حساب، سيتبين أنّ الحصيلة الإجمالية تقول إنّ مكاسب الحزب السياسية الداخلية، والعسكرية والإستراتيجية من تدّخله في سوريا تفوق أضعاف خسائره البشرية.[18]

[1] خطاب حسن نصر الله في مهرجان "زمن الانتصار"، 13/8/2017.   https://www.youtube.com/watch?v=g7WKc6NaceM.

[2] أسرار فيلق القدس وحزب الله في مطار بيروت، العربية نت، 12/1/2016. http://ara.tv/nazq6

[3] عبد المعطي محمد، حزب الله النشأة والتطور، الجزيرة نت. http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/25305d60-53cc-4cc4-aae0-64eb71384ae3

[4] منصور العمري، حزب الله في سوريا: بدايات – قادة – ممارسات، أورينت نت، 2/11/2014. http://www.orient-news.net/ar/news_show/82360

[5] المصدر السابق.

[6] أين يقاتل حزب الله والإيرانيون والميليشيات العراقية في سوريا؟، الجزيرة نت، 30/5/2013. https://goo.gl/95PqAt

[7] منصور العمري، مصدر سابق.

[8] ماذا تحوي ترسانة حزب الله من سلاح، سبونتيك عربي، 28/3/2017.  https://goo.gl/m7tR6g

[9] أتيلا شوم صليبي وديانا بخور مير، الخوف: ستصل الصواريخ الروسية إلى حزب الله، موقع واي نت العبري، 5/12/2012. http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-3031885,00.html

[10] أمير بخبوط ، اختراق الطائرات بدون نقطة ضعف سلاح الجو، موقع واللا العبري، 26/4/2013.

https://stage.news.walla.co.il/item/2636547

[11] عموس هرائيل، نتنياهو يكشف في خطابه بالأمم المتحدة: منظومات سلاح متقدمة نقلت لحزب الله، صحيفة "هآرتس" العبرية، 1/1/2015. https://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2742935

[12] شاي ليفي، القوة العسكرية لحزب الله، موقع ماكو العبري، 25/4/2013.

 http://www.mako.co.il/pzm-magazine/foreign-forces/Article-559b71ce0a14e31006.htm

[13] دراسة للنيوزويك حول خسائر ميليشيات حزب الله في سوريا، العربية نت، 1/5/2017. http://ara.tv/j8ajh

[14] حنين غدار، البدائل الاقتصادية قد تساهم في فصل الشيعة عن حزب الله، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 18/10/2016. http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/economic-alternatives-could-help-split-shiites-from-hezbollah

[15] المصدر السابق.

[16] يوسي يهشوع، نهاجم أو لا نهاجم، صحيفة "يديعوت أحرنوت"، 1/7/2017.

https://www.yediot.co.il/articles/0,7340,L-4983421,00.html

[17] الحريري يؤكد رفضه لسلاح حزب الله ولتدخله في سوريا، العربية نت، 14/2/2017. http://ara.tv/pss6e

[18] صادق النابلسي، ما الذي حققه حزب من دخوله الحرب في سوريا، موقع قناة المنار، 27/1/2017. https://goo.gl/2Bhdzu