هنا غزة ...بذور لاتنبت واشتال تموت

الإثنين 13 مارس 2017 10:52 ص / بتوقيت القدس +2GMT
هنا غزة ...بذور لاتنبت واشتال تموت



الايام - محمد الجمل -

لا تزال الكوارث والفجائع التي خلفها العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة تتكشف واحدة تلو الأخرى، وتظهر مدى فظاعة ما تعرض له الغزيون في أطول عدوان شن عليهم منذ عقود.

فبعد تدمير المنازل وتجريف المزارع وتخريب مرافق البنية التحتية، وملء الأراضي الزراعية بالمقذوفات والأجسام المتفجرة، التي كانت ولازالت تشكل خطراً محدقاً على المواطنين، بدأ مزارعون، منذ أشهر، يلاحظون أن بؤر محددة داخل أراضيهم الزراعية باتت غير صالحة للزراعة، وأي بذور تزرع فيها لا تنبت، كما أن الاشتال في حال غرست فيها سرعان ما تموت.

واكتشف هؤلاء المزارعون أن البؤر المذكورة كانت عرضة لسقوط قذائف المدفعية بصورة مباشرة، ما خلف دوائر كربونية حولها.

كما أن مزارعين آخرين لاحظوا تراجع كبير في خصوبة أراضيهم التي تعرضت للقصف وسقوط قذائف وصواريخ، وأن إنتاجها تراجع على نحو لافت، رغم العناية الفائقة التي تلقتها تلك الأراضي، ومضاعفة كميات السماد التي وضعت فيها قبل الزراعة.

ما هي الدائرة الكربونية؟
ويقول خبير المتفجرات الملازم محمد مقداد، من هندسة المتفجرات في شرطة غزة، إن القذائف التي أطلقتها قوات الاحتلال تنقسم إلى عدة أنواع، لكن أبرزها الحارقة والمسمارية، أو المضادة للأفراد، تلك التي ينجم عنها شظايا تتطاير في كل الجهات، موضحاً أن جميع ما سبق ينجم عنه دوائر كربونية، وهي مخلفات المواد المتفجرة.

وأوضح مقداد أنهم لاحظوا أن بعض أنواع القذائف التي تخلف دوائر كربونية يصل قطرها إلى خمس أو عشرة أمتار أو ربما أكثر، تكون مغطاة بمادة بيضاء مائلة للون الرمادي، ملمسها ناعم كالدقيق، ورائحتها معبقة بالبارود.

وأكد أنه مع التجارب والوقت، تبين أن تلك المادة التي تحوي مخلفات كيميائية متنوعة، تسببت في قتل خصوبة الأرض، وأضحى مكانها غير صالح للزراعة.

وأشار إلى أن بعض المزارعين استطاعوا التغلب على تلك المشكلة، بتغيير التربة مكان سقوط القذيفة، وحمل الطين بما يحمله من مواد كربونية وكيميائية إلى أماكن بعيدة، وجلب تربة نظيفة، وخلطها بالسماد، حتى تصبح الأرض قابلة للإنبات.

ولم يستبعد مقداد أن تكون الدوائر التي خلفتها تلك القذائف تحوي مواد مشعة أو سامة، أو مخلفات اليورانيوم المستنفذ، فثمة مؤشرات عديدة تؤكد أن بعض المقذوفات الإسرائيلية التي أطلقت خلال العدوان تحوي مواد غريبة، لكن تأكيد أو نفي ذلك بحاجة إلى مختبرات ومعدات فحص متطورة، وهي للأسف غير موجودة في قطاع غزة.

وطالب مقداد المزارعين بإبداء مزيداً من الحرص في التعامل مع الأجسام المشبوهة، أو الدوائر الكربونية، وتجنب ملامستها باليد، ومحاولة نقلها بطريقة آمنة وإلقائها في أماكن بعيدة.
تسميم للتربة

أما المزارع إبراهيم أبو سالم، فأكد أنه ومنذ انتهاء العدوان لاحظ جميع المزارعين ظهور مشاكل في أراضيهم، تمثلت في ضعف نمو النباتات، وعدم إنبات البذور في بعض المناطق، إضافة على ظهور نبتة الهالوك الضارة، التي انتشرت بصورة غير مسبوقة بعد العدوان.
وأكد أبو سالم أنه عانى كغيره من المزارعين، بسبب سقوط قذائف وصواريخ داخل أرضه، واضطر لجلب جرافة وإزالة التربة حول موقع سقوط تلك الصواريخ، واستبدالها بتربة نظيفة، وتسميد الأرض جيداً.

وأكد أبو سالم أن ما خفي كان أعظم، فما استطاع هو وغيره من المزارعين رؤيته ومعرفته عن مخاطر القذائف والصواريخ التي أطلقت تجاه أراضهم هو يسير، فالأخطار غير المنظورة أو المعلومة كبيرة، وهو على يقين بوجود مواد مشعة ومسرطنة تسببت في تلويث التربة، وربما المياه الجوفية، وآثار ذلك ستبدأ تتكشف لاحقاً من خلال ارتفاع في أعداد المصابين بمرض السرطان، وحدوث تشوهات خلقية في الأجنة، وظهور مشاكل في الإنجاب ستعاني منها الأجيال القادمة.

وأكد أنهم كمزارعين لا يمتلكون حلولاً سوى مواصلة العمل في أراضيهم وزراعتها، رغم كل الأخطار والصعاب.

مواد خطيرة
من جانبه أكد أ.د سمير العفيفي، من قسم البيئة وعلوم الأرض بالجامعة الإسلامية بغزة، ورئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء البيئة، أن آثار القذائف التي تطلق تجاه الأراضي الزراعية كبيرة ومتنوعة، يبدأ بعملية تفتيت التربة، وهذا أمر خطير تسببه أيضاً الدبابات الثقيلة خلال سيرها في الأراضي الزراعية، وهذا يقلل من جودة الأراضي وخصوبتها، ويخفض الإنتاج الزراعي بشكل كبير، والتربة حتى تستعيد بناء نفسها تحتاج إلى وقت، ومواد عضوية تساعد في استعادة الخصوبة.

وبين العفيفي في حديث مع "الأيام"، أن القذائف والصواريخ التي أطلقت تجاه الأراضي الزراعية سواء خلال العدوان الأخير أو ما قبله، تحوي مواد سامة متنوعة، أخطرها المواد الثقيلة مثل الرصاص والكارينيوم وغيرها، وهي مواد سامة ثقيلة غير قابلة "للهدم البيولوجي"، تعلق في الطبقة السطحية للتربة، ويستمر وجودها في الأرض فترات طويلة نظراً لصعوبة تفتيتها.

وأكد العفيفي أن هذه المواد من الممكن أن تمتصها النباتات من خلال الجذور وتتجمع في الأوراق أو الثمار، ومن الممكن أن تنتقل للإنسان أو الحيوان.

وأكد أن أكثر ما في الأمر من خطورة، أن هذه السموم من الممكن أن تستمر في الانتقال في السلسلة الغذائية كاملة، فالتربة المصابة بتسمم من هذا النوع تحتفظ بالسموم، وتنقلها من خلال الجذور للنباتات، التي تنقلها بدورها للحيوانات، خاصة تلك التي ترعى على العشب في المناطق الريفية، والحيوانات بدورها تحتفظ بهذه السموم في أجسادها، لتنقلها للإنسان، إما من خلال اللحوم أو الحليب، وهذا يسبب الأمراض والمشاكل الصحية للبشر.

وبين العفيفي أن الأمر يزيد على ذلك، فمن الممكن أن تمتزج تلك المواد بمياه الأمطار التي تسقط على الأرض، وتتسرب معها إلى عمق الخزان الجوفي، وتلوث مياه الخزان، التي يعتمد عليها قطاع غزة بصورة كاملة، في الشرب والري وكل متطلبات حياتهم.

وشدد على أن ثمة دراسات وأبحاث أجريت مؤخراً، وكشفت عن نتائج خطيرة لآثار تلك القذائف، والأمر بحاجة إلى مزيد من الأبحاث والفحوصات للكشف عن كامل الأخطار، والبحث عن طرق وآليات لوقاية الناس منها.

وثمة بعض الأراضي الزراعية شرق مدينتي خان يونس ورفح، كانت بمثابة مقبرة للمقذوفات الإسرائيلية الثقيلة، فالطائرات التي كانت تتلقى أوامر بتأجيل أو إلغاء مهام قصف كانت أقلعت من أجل تنفيذها، كانت تلقي حمولتها من الصواريخ في تلك الأراضي للتخلص منها، وهذا تسبب في تلوث عالي وكبير في تلك الأراضي.

شكاوى وحقائق
أما محمود الحشاش أمين سر جمعية المزارعين الفلسطينيين، فقال: من الصعب الحديث عن الأثر الذي خلفته قذائف الاحتلال بشكل دقيق، خاصة فيما يتعلق بالدوائر الكربونية، لكن ما يمكن تأكيده والجزم به من خلال التجربة، أن الأراضي التي تعرضت للقصف، وأعيد استصلاحها وزراعتها اكتشف مالكوها انخفاض خصوبتها بشكل لافت، وتراجع حجم الإنتاج فيها، إذا ما قورن مع فترات ما قبل القصف، حتى وإن كانت تلك الأراضي تلقت رعاية خاصة، وتسميد جيد.

وأشار الحشاش في حوار مع "الأيام الالكترونية"، إلى أن جمعيته وغيرها من الجمعيات الزراعية، استقبلت شكاوى عديدة من المزارعين ممن تعرضت أراضيهم للقصف، حول انخفاض الخصوبة، ووجود تلوث محتمل فيها، ورغبة في التخلص من آثار ومخلفات بعض القذائف.
وأوضح أنهم حاولوا وضمن الإمكانات البسيطة المتاحة مساعدة المزارعين، لكن الأمر يحتاج إلى إمكانات ضخمة، وفحوص متقدمة للكشف عن خطورة وطبيعة تلك المواد، والمساعدة في تنظيف وتطهير التربة.

ولفت إلى أن الاحتلال وخلال عدوانه الأخير وجه ضربات قوية وغير مسبوقة لقطاع الزراعة في غزة، إما من خلال تجريف آلاف الدونمات، واقتلاع أشجار، وتدمير آبار وبرك مياه ومنشآت زراعية، أو من خلال القصف المباشر للأراضي، وما نجم عن ذلك من آثار لازالت متواصلة.

وشدد الحشاش على أن الأمر لا يعدو صدفة، فالاحتلال يعني أن الزراعة إحدى أهم مقومات الاقتصاد في قطاع غزة، لذلك تعمد ضربها وإنهاكها، لخنق السكان وزيادة حياتهم صعوبة.
وطالب الحشاش المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، بالقدوم إلى قطاع غزة وأخذ عينات من التربة في المناطق التي تعرضت للقصف، والوقوف على الحقائق بشكل دقيق، ومعاقبة الاحتلال باعتبار أن تلويث الأرض والمياه جريمة وفق القانون الدولي، ومن ثم البحث عن آليات وحلول لمنع انتقال التلوث للمزروعات ثم للإنسان.

جريمة متدرجة
من جانبه أوضح الحقوقي محمد أبو هاشم، من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن قيام أي جماعة أو دولة بتسميم التربة أو الغذاء أو مصادره، يمكن أن تمثل جريمة وفق القانون الدولي، وتحدد طبيعتها ظروف كل حالة.

وأوضح أبو هاشم في حوار مع "الأيام"، أنه وفي حال ثبت تعمد إسرائيل استخدام مواد لتسميم التربة والغذاء، بغرض إخضاع الفلسطينيين عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً، فإن هذا وفق القانون الدولي يصنف على أنه جريمة إبادة جماعية، يجب أن تحاسب إسرائيل عليها وفق المادة (6) من ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.

وبين أنه وفي حال كان التسمم غير مقصود، ونتج عن استخدام أسلحة محرمة دولياً، فهذا يعتبر جريمة حرب توجب العقاب وفق ميثاق روما.

وواصل أبو هاشم: يبقى فرضية ثالثة وأخيرة، وهي في حال كان التسمم غير مقصود، ونتج عن استخدام أسلحة تقليدية عادية، تحوي في تركيبتها العادية مواد تؤثر على التربة أو الغذاء، فهذا لا يعتبر جريمة بوجهة نظر القانون الدولي، ولا يغير ذلك من حقيقة مسؤولية إسرائيل المدنية عن الأضرار التي قد تلحق بالفلسطينيين جراء ذلك، بالإضافة إلى مسؤولية إسرائيل والمجتمع الدولي عن المعاناة الاقتصادية والصحية التي قد تنتج عن ذلك.

وبين أبو هاشم أن تحديد نوع الأسلحة ومدة تأثيرها على التربة، بحاجة إلى معامل ودراسات مستفيضة، وفي فلسطين عامة وقطاع غزة على وجه الخصوص، من الصعب التحقق من ذلك، في ظل ضعف الإمكانات، لكن هذا لا ينفي وقوع جرائم في هذا المجال، ويتطلب عمل فلسطيني دءوب، من أجل جلب خبراء ونقل عينات من التربة والغذاء للخارج، لإثبات وجود تسمم وما هو نوعه، والبدء بإجراءات التحقيق، لمعرفة طبيعة الجريمة المرتكبة والمسؤولين عنها.

وأكد أبو هاشم أن إسرائيل ارتكبت جرائم متنوعة ومتشعبة خلال عدوانها على قطاع غزة، وهي مست حياة المدنيين، وأثرت عليها في مختلف المجالات، وهناك جرائم بالجملة تستوجب المحاسبة.