بدائل دولة الـ 67 تضليل وخداع ... إسماعيل مهرة

الأحد 12 مارس 2017 01:10 م / بتوقيت القدس +2GMT



منذ ان بدأ صراع شعبنا الحقيقي ضد الحركة الصهيونية على أرض فلسطين، مع بدايات الانتداب في عشرينيات القرن الماضي، وإن كانت بدايات الصراع الأولى تعود إلى ما قبل ذلك؛ لم يكن يطمح لأكثر من دحر الحركة الصهيونية وإفشال مخططاتها ووقف الهجرة اليهودية وإجلاء الاحتلال البريطاني، ولم يكن يتسلح بمخططاتٍ لليوم التالي تقوم على رؤية سياسية تنتهي بإعلان قيام الدولة الفلسطينية، فحال الشعب الفلسطيني كان كحال معظم الشعوب العربية التي كانت تخضع للحكم العثماني، ولم تكن قد بلورت هويتها الوطنية القطرية.

وتركز تطلع الفلسطينيون في الحفاظ على سلامة كامل أرضهم، والحفاظ على هويتها العربية الإسلامية، فرفضوا كل المؤامرات التي كانت تنال من وحدة الأرض ومن هويتها وانتمائها ومن طابعها الديموغرافي، وناضلوا لإسقاطها، ولم يكن يساورهم أي شك وهم يهجرون إلى مخيمات اللجوء بحتمية قرب عودتهم إلى مدنهم وقراهم مظفرين بعد ان يكون العرب قد نجحوا في هزيمة العصابات الصهيونية وقضوا على وجودها.

ومنذ أن انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة حددت أهدافها بالتحرير الكامل لكل فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأرض الفلسطينية، فحملت الثورة الأهداف والطموحات وترجمتها إلى برنامج عمل سياسي يستند إلى فعل كفاحي ثوري مسلح، وسقط على طريق الثورة عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى والأسرى، لكنها واجهت عدوًا شرسًا مسنودًا بدعم أمريكي كبير وإسناد غربي، سواء بالتأييد أو بالصمت، وغاب عن الثورة ظهيرها العربي، غياب وصل إلى حد التخلي عنها، وحتى التآمر عليها؛ الأمر الذي جعلها - بالإضافة لأسباب ذاتية - تفشل وتخفق في تحقيق أي إنجاز حقيقي في ميدان الصراع يقربها من أهدافها، باستثناء الإنجازات المعنوية والسياسية المشروطة بأثمان سياسية.

وعلى مدار عقود النضال الماضية جرى الكثير من التغيرات العميقة ذات التأثير المباشر على الصراع العربي - الإسرائيلي، تغييرات ترجمت النجاحات الإسرائيلية والتراجع - إن لم نقل الهزائم العربية والفلسطينية - فوقعت معاهدات السلام، وقبلها اعترف العرب بإسرائيل ضمنيًا عندما اعترفوا بمرجعية قرار مجلس الأمن 242.

أما م. ت. ف. التي جاهدت لأجل عدم إهدار التضحيات الفلسطينية والوصول إلى إنجاز ما، وفي سياق البرغماتية أو الواقعية السياسية وقناعاتها بقوة الشرعيات الدولية وتأثير القوة الديبلوماسية وامتلاك أمريكا لأوراق الحل؛ فقد بدأت بمسيرة التحول السياسي للبحث عن شرعية الاعتراف بها، كل ذلك أدى إلى توافق أو إجماع فلسطيني على برنامج دولة الـ 67 باعتباره الحد الأدنى المقبول فلسطينًا والحد الأدنى المشترك للفلسطينيين.

ودرج الفلسطينيون على اعتبار دولة الـ 67 برنامج الحد الأدنى، والغريب ان التيار المركزي في م. ت. ف. الذي يقول بالحد الأدنى ليس لديه حد أعلى أو سقف أعلى من الحد الأدنى، وقد تحول الحد الأدنى إلى حد يمكن التفاوض عليه.

لسنوات كثيرة، ظل برنامج دولة الـ 67 الأكثر رسوخًا وثباتًا لدى الفلسطينيين، إلى حد ان أطلق عليه اسم أو صفة المشروع الوطني الفلسطيني، وشعر الفلسطينيون بالكثير من التفاؤل بتحقيق الدولة، لا سيما مع توقيع اتفاقية أوسلو، فالدولة لسنوات خلت كانت في حكم الممكن والمتاح، حتى إن عرفات وصف واقعيتها بأنها "على مرمى حجر".

ومن المفارقة أن الفلسطينيين يشعرون اليوم أبعد ما يكونون عن تحقيق حلم الدولة، وتسود في أوساطهم حالة من الإحباط واليأس والشعور بالضياع والخوف من المجهول الذي يخيم على مستقبلهم، وهو ليس فقط نوع من الشعور العابر العاطفي أو المزاجي، بل شعور مرتبط بقناعات تشكلت لدى الشعب والكثير من النخب بحكم الحقائق المرة التي تكوي عقلهم، والتي لها علاقة بالمأزق والأزمة الفلسطينية الناشئة عن الانقسام وفشل النظام السياسي الفلسطيني في تجاوز حالة الانقسام وتداعياته على مجمل جوانب المشهد الفلسطيني برمته وعلى كل تفاصيل الصراع مع إسرائيل، فضلًا عن التعنت الإسرائيلي والتغول الاستيطاني وتعمق سياسات التهويد والتراجع الدولي والانحياز الأمريكي والتردي العربي... الخ.

كل ذلك كان كفيلًا بأن يعمق لدى الفلسطينيين شعورًا متعاظمًا بالفشل وهزيمة مشروعهم الوطني، ومع تزايد هذا الشعور بدأ يتراجع الإجماع الفلسطيني حول دولة الـ 67، وصرنا نرى أكثر فأكثر نشاطًا متزايدًا في البحث عن بدائل للمشروع الوطني، بحث يعتبر في بعض جوانبه تعبيرًا عن أعراض الأزمة، وينظر البعض وكأن المشكلة كانت في المشروع وليست في أدوات تحقيقه.

وربما بنوع من السذاجة والرومانسية السياسية الحالمة والتهديد في آن واحد، يركزون بحثهم فيما يطلق عليه بالدولة الواحدة، وكأن الفلسطينيين يعيشون فقط بين خيارين: خيار دولة الـ 67 وخيار الدولة الواحدة، وثمة من يفكر بالدولة ذات الحدود المؤقتة.

بعض من يتسلى بطرح مشروع الدولة الواحدة يعيش ربما صدمة إنكار الفشل، ويعزي نفسه بالتخلص أخيرًا من تنازلات م. ت. ف. ومنحنا خيار العودة إلى خيار الشعب الفلسطيني، خيار دولة كل فلسطين، ويتناسى هؤلاء أن مخاطر التخلي عن دولة الـ 67 تفتح المجال لخيارات أسوأ بكثير قد تصل إلى عودة الخيار الأردني في صيغ ومسميات جديدة من التعاون الوظيفي والإدارة المدنية في الضفة ودولة غزة كأمر واقع في بادئ الأمر يتحول ويتعمق تدريجيًا إلى واقع أصيل.

الفخ الإسرائيلي في البدائل السياسية

يشترك نتنياهو وأركان حكومته اليمينية مع بعض الفلسطينيين في البحث عن بدائل دولة الـ 67، وطبعًا باختلاف الدوافع والأهداف، فنتنياهو- الذي استكمل الدور السياسي لحكومات إسرائيل في إفشال حل دولة الـ 67، ولكن بوتائر عالية وبتصميم وبإعلان موقف صريح رافض - كان هو أول من التف على خطابه الاضطراري في "بار ايلان" (تأييده لحل الدولتين) عندما أعلن ان حل الدولتين لم يعد ممكنًا في الظروف الحالية، وثابر على التمسك بموقفه هذا، حتى كاد ان يقنع به ليس فقط معظم الإسرائيليين، بل وعدد كبير من الدول الغربية. نتنياهو عمل كل ما بوسعه من استيطان وتهويد واشتراطات لتقويض حل الدولتين، ليصل إلى النتيجة الرائجة اليوم بعدم إمكانية حل الدولتين في الظروف الراهنة، وهو يسعى ليتوج الأمر مستقبلًا بالاستحالة الواقعية لحل الدولتين، وهو لا يقصد هنا حل دولة الـ 67، بل ما هو أقل من ذلك، وحسب نتنياهو فإن دولة فلسطينية بدون القدس وبدون الكتل الاستيطانية وبدون الغور وبدون سيادة، لا على الأرض ولا السماء ولا الماء ولا المعابر، هي أيضًا غير ممكنة واقعيًا.

ومن جهة أخرى فإنه لا هو ولا دعاة الضم النوعي في حكومته ينوون استبدال حل الدولتين بحل الدولة الواحدة، فخياراتهم ترتبط بفرض الأمر الواقع، وتستند إلى قوتهم الكلية ونفوذهم الدولي والإقليمي في رفض أية حلول مرفوضة من قبلهم وفي فرض مخرجات الأمر الواقع باعتباره واقعًا لابدّ للفلسطينيين من ملاءمة أنفسهم معه، ولا بد للعالم من تبنيه.

إن قوة مشروع دولة الـ 67 تستند - بالإضافة إلى الموقف الوطني الفلسطيني - إلى الشرعية الدولية التي تتبنى حل الدولتين، لكن عندما يصدر عن الفلسطينيين والإسرائيليين موقف أو اتجاه يتخلى عن حل دولة الـ 67 باعتباره لم يعد ممكنًا وواقعيًا؛ فإن المرجعيات الدولية ستتوقف عن دفع وتبني هذا الحل، ممّا سيشكل إنجازًا كبيرًا لإسرائيل، وبالمقابل لا تسارع تلك المحافل بتبني حلول تعتبر غير ممكنة وغير متاحة.

البحث إسرائيليًا في البدائل السياسية لحل الدولتين بدأ من قبل دوائر يمينية ويسارية إسرائيلية مع تبني إسرائيل رسميًا مشروع حل الدولتين، وهو يشهد في هذه الأيام رواجًا وانتشارًا، لا سيما من قبل التيارات اليمينية المهيمنة داخل المؤسسات البحثية والسياسية والأمنية، والتي هدفها الأساس ليس البحث الحقيقي في أشكال حل الصراع، بل أشكال وسبل القضاء على القضية الفلسطينية وتعزيز أمن إسرائيل وضم أكبر قدر من الأرض بأقل قدر من السكان بشرعية دولية وعربية تمنحها القدرة على الإسهام بدور كبير في إعادة تشكيل المنطقة بما يمنحها قوة وهيمنة ونفوذًا.

بتقديرنا، ليس أمام الفلسطينيين في الظروف الحالية - لا سيما في حالة التراجع - إلا التمسك بمشروع دولة الـ 67، فهو المشروع المتاح والممكن وذو الشرعية الدولية، وعلى الرغم من تعقيدات المشهد وصعوبة الظروف، وإن البحث عن بدائل في مراحل الأزمة والتفكك والانقسام والضعف لن ينتج إلا مزيدًا من التفكك ومزيدًا من الانقسام والضعف. ونقدر ان من فشل أو يشعر بعدم القدرة على تحقيق ما وصف بالممكن والواقعي المتاح لن يكون بوسعه أن ينجح في تحقيق ما هو أبعد من ذلك، وكل بحث في بدائل دولة الـ 67 في ظروف الضعف الحالية ليست إلا تضليلًا وخداعًا للذات، ودعمًا غير مباشر لمساعي إسرائيل في النيل من المشروع الوطني الفلسطيني.

"اطلس للدراسات "