جوال jawwal

مستقبل نتنياهو السياسي.. سيقرره المستشار وكحلون ...اسماعيل مهره

الإثنين 09 يناير 2017 10:50 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مستقبل نتنياهو  السياسي.. سيقرره المستشار وكحلون ...اسماعيل مهره

حبل التحقيقات بتهم الفساد الذي يلتف حول عنق نتنياهو له طرفان: الأول يمسكه المستشار القضائي للحكومة مندلبليت، فبقرار منه يستطيع أن يضطر نتنياهو إلى الاستقالة، والطرف الثاني هو صدى القضية وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، ويمسك به الكثير من الأطراف، من إعلام ورأي عام وقوى معارضة، لكن أهم الممسكين بهذا الطرف - والذي سيتعرض لضغط هائل، وثمة احتمال كبير للتأثير عليه - هو موشية كحلون، رئيس حزب "كلنا"، فهو الذي يمتلك مفتاح مستقبل استمرار نتنياهو رئيسًا للحكومة أو إجباره على حل الحكومة والذهاب إلى الانتخابات.

سابقًا خضع نتنياهو لعدد من التحقيقات الجنائية، لم يتمكن فيها المحققون من إدانته بارتكاب جرم الفساد، أحد هذه التحقيقات كان حول تلقي نتنياهو هدايا شخصية من السيجار الفاخر، ومنذ سنوات يواجه نتنياهو وزوجته سارة العديد من الاتهامات وشبهات التورط بارتكاب مخالفات على حدود جرم الفساد وتلقي الرشاوى، بعضها يخضع للفحص السري لدى قسم التحقيقات الجنائية "لهاب 344"، وبعضها ينتظر قرارًا من المستشار القضائي لفتح تحقيق رسمي، فضلًا عن أن ثمة قضايا تحاكم عليها أسرة نتنياهو لها علاقة بإدارة الإنفاق الخاص ببيوت رئيس الحكومة، وفي قضيتين على الأقل أدينت زوجة نتنياهو سارة بإساءة السلوك مع بعض موظفي خدمة بيت نتنياهو، وأقرت المحكمة للمشتكين بتعويضات مالية.

الكثير من رائحة الفساد والكثير من الدخان ينبعث من نتنياهو وبيته، لكنه ظلّ في نظر الجمهور اليميني العريض ملكهم محب الاستمتاع بمباهج الحياة على حساب أصدقائه الأغنياء، وبحسبهم فلا عيب كبير في ذلك طالما أن الأمر لم يصل إلى تلقي الرشاوى ومغلفات المال على حساب مصالح الدولة كما حصل مع أولمرت.

التحقيقات الأخيرة التي أمر مندلبليت بالشروع بها - والتي بموجبها يحقق مع نتنياهو كمشتبه تحت التحذير من ان كل ما يدلي به قد يستخدم ضده لإدانته - تتعلق بملفين، وكلاهما يدوران حول تهمة تلقي خيرات المتاع والهدايا وخيانة الثقة، يطلق على الملف الاول "ملف 1000" والثاني "ملف 2000"، الملف الأول يدور حول تلقي نتنياهو هدايا من السيجار والشمبانيا وبعض خيرات المتاع على مدار سنوات طويلة من رجلي أعمال، أحدهما إسرائيلي والآخر أجنبي، وقد كشف الإعلام الإسرائيلي هوية رجل الأعمال الإسرائيلي، وهو ارنون ميلتشن، ويبدو أن الشرطة تملك - على ما يبدو - ما يؤكد ان نتنياهو قدم مقابلًا لرجل الأعمال ميلتشن. القناة العاشرة بدورها سربت المقابل الذي قدمة نتنياهو، فقد نشرت ان نتنياهو تدخل لدى وزير خارجية أمريكا جون كيري لتسهيل حصول ميلتشن على فيزا لدخول أمريكا، ويذكر أيضًا ان رجل الأعمال ميلتشن وابنه ظهرا في قائمة المسجلين في سجل الملاذات الضريبية في بنما، ممّا يجعلهما محط اشتباه بالتهرب الضريبي.

أما الملف الثاني، الذي يحظى برقم 2000، ويعتبر الأكثر تأثيرًا وزلزلة على الساحة السياسية والإعلامية وعلى مستوى الرأي العام، والذي اضطر مندلبليت لاتخاذ قرار بفتح تحقيق جنائي؛ فيتعلق بحصول الشرطة على تسجيلات صوتية بين نتنياهو وصاحب جريدة "يديعوت احرونوت" نير "نوني" موزيس، والحوار الطويل يسجل مطلب موزيس من نتنياهو بإغلاق صحيفة "إسرائيل اليوم" عبر المساعدة في تشريع القانون الذي أعد خصيصًا في نوفمبر 2014 لإغلاق الصحيفة التي يمولها الملياردير اليهودي اليميني شيلدون أديلسون، وذلك عبر تشريع يمنع التوزيع المجاني للصحيفة، بالمقابل يعرض موزيس ان يقوم بتقديم خدمات الدعم والترويج الإعلامي لنتنياهو (ساعد في قانون إغلاق "إسرائيل اليوم"، وسوف نقوم في "يديعوت" بتدليلك واحتضانك بدفء).

يذكر ان صحيفة "إسرائيل اليوم" التي توزع مجانًا بتمويل كبير من أديلسون للترويج للسياسات اليمينية، شكلت منافسًا قويًا لـ "يديعوت" التي كانت تحظى بلقب الصحيفة الأولى والأكثر توزيعًا، ممّا أصابها بخسائر مالية وتراجع توزيعها وباتت صحيفة "إسرائيل اليوم" الأكثر انتشارًا.

ومن غير المعروف حتى الآن ماذا وعد نتنياهو، وماذا طلب، وماذا قال أثناء الحوار مع موزيس، لكن من الواضح ان انكشاف أمر الحوار يعتبر صدمة، ويكشف عن علاقة الإعلام بالحكم والمال، وأولويات الإعلام السوقية بعيدًا عن رسالته الحقيقية، ويكشف دوافع بعض السياسيين الذين تجندوا بشكل كبير لأجل تمرير مشروع قانون إغلاق صحيفة "إسرائيل اليوم"، وهذا التسريب قد يعزز من جهة أخرى اتهامات نتنياهو للإعلام ولنير موزيس تحديدًا، فاسم نير موزيس يظهر جليًا دومًا على لسان نتنياهو وزوجته كمن يقف خلف كل اشتباه موجه لهم.

المستشار القانوني أفيحاي مندلبليت، الذي شغل منصب سكرتير في حكومة نتنياهو الثالثة، وعينه نتنياهو كمستشار قانوني للحكومة، وقف ولا زال أمام معضلة كبيرة، فهو معروف بميوله اليمينية على المستوى السياسي والأيديولوجي، لكنه في نفس الوقت ملزم بالعمل وفق المعايير القانونية، وبين التزامه السياسي والتزامه القانوني ثمة هامش من الحرية، لا سيما فيما يتعلق بالشبهات الموجهة لرئيس الحكومة والوزراء والموظفين الكبار، التي تفتقر إلى معطيات إدانة واضحة أو تخضع لتفسيرات على أنها على حافة الجرم وليست جريمة، هامش الحرية هذا استغله مندلبليت في إسقاط الكثير من التهم ورفض فتح تحقيق بشأنها، هذا على الأقل ما يتهم به مندلبليت من قبل صحفيي التحقيقات الكبيران امنون ابراموفيتش ورفيف دروكر.

بيد ان مندلبليت الذي احتفظ لأشهر عديدة سابقة بملف الشبهات حول نتنياهو في ملفي 1000 و2000، لم يستطيع - على ما يبدو - أمام الأدلة المدعمة بالتسجيلات وأمام ضغط كبار المحققين والتسريبات في الإعلام عن أمر وجود هذه الشبهات إلا ان يتخذ قراره بإجراء التحقيق، وفي محاولة منه لاستباق أية استخلاصات عن مكوث الملفات في خزنته لفترة طويلة قال في مؤتمره الصحفي "الفحص الذي بدأ عن نتنياهو تطور وتفرع لاتجاهات مختلفة عن تلك التي بدأ بها".

معضلة مندلبليت ستكون عندما لا تقطع نتائج التحقيقات في كل الملفات ان نتنياهو ارتكب جرمًا، وتبقى الاستنتاجات في المنطقة الرمادية مرتبطة بالتفسيرات المختلفة لمواد القانون المجرمة أو التي تسقط الجرم، في هذه الحالة مندلبليت سيكون صاحب القرار الفيصل بتقديم لائحة اتهام تضطر نتنياهو مباشرة إلى الاستقالة أو إسقاط التهم جميعها والاكتفاء ببيان ينتقد خروج نتنياهو عن طهرية المعايير؛ الأمر الذي يعني انه سيتعرض لضغوط كبيرة من طرفي المتراس.

مستقبل نتنياهو السياسي ليس مرهونًا فقط بقرار المستشار القانوني ونتائج التحقيقات، فثمة جهات سياسية، لا سيما كحلون، وزير المالية وزعيم حزب "كلنا"، الذي بيده أيضًا - في حال خرج من الحكومة احتجاجًا على دخان الفساد الكثيف - أن يسقط الحكومة، وربما يتفاعل معه إيجابًا بعض خصوم نتنياهو داخل "الليكود" وخارجه، ممّن هم محسوبون على معسكر اليمين؛ لذلك فإن نتنياهو قد يمتشق مجددًا استراتيجيته القديمة، بحيث يجعل الأمر كله يظهر وكأنه صراع بين اليمين واليسار الذي يحاول ان يسقط اليمين عبر المؤامرات و الإعلام وكيل الاتهامات بعد ان فشلوا في إسقاطه عبر صندوق الانتخابات، وألا يظهر وكأن الأمر بينه وبين المحققين المهنيين الذين يقومون بأداء واجبهم، كما ان على نتنياهو ألا يبدو ضعيفًا أمام خصومه من الداخل والخارج، كما يقول الصحفي عميت سيجل، فإن بدا ضعيفًا فسيشجع الأمر المترددين بحسم أمرهم بالوقوف ضده.

استكمال التحقيقات يحتاج لأسابيع أخرى طويلة، وسيحتاج مندلبليت لاتخاذ قراره لوقت طويل آخر، لكن نتنياهو المستنزف لا يبدو هذه المرة انه سيصمد طويلًا أمام هذه العاصفة.