ملاحظات حول انتخابات الرئاسة الأمريكية (1 من 3) ..د.علي الجرباوي

الخميس 10 نوفمبر 2016 08:44 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ملاحظات حول انتخابات الرئاسة الأمريكية (1 من 3) ..د.علي الجرباوي


المواصفات العامة للعملية الانتخابية

 
نظراً للمكانة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية حالياً على رأس هرم النظام الدولي، فإن انتخاباتها الرئاسية تحظى بأهمية خاصة ومتابعة حثيثة، ليس على صعيدها الداخلي فقط، وإنما على مستوى العالم أيضاً. ولأن هذه الانتخابات، والتي انتهت مؤخراً بفوز  دونالد ترامب، ليست مجرد «حدث» يتمثل بالادلاء بالأصوات يوم الاقتراع، وإنما هي «عملية» مضنية تنتهي بيوم الاقتراع واعلان النتائج، فقد أثارت دائماً اهتمام، وربما حفيظة، متابعيها الذين تبهرهم، أو تؤرقهم، مواصفاتها الخاصة. من هذه المواصفات خمس أساسية يجب عدم اغفالها لما لها من آثار هامة على مسار الحياة السياسية الأمريكية بشكل عام، وعلى فاعلية الرئيس ومؤسسة الرئاسة، من ناحية أخرى. 
أوّل مواصفات هذه الانتخابات أنها مركبّة. وتأتي هذه المواصفة من الطبيعة الفيدرالية للنظام السياسي الأمريكي المُقسّم على عدة مستويات، أفقية وعمودية. وبما أن الانتخابات الرئاسية هي لانتخاب رئيس الحكومة الفيدرالية لاتحاد مكوّن من خمسين ولاية، فإن عملية انتخاب هذا الرئيس تتشكل من حصيلة انتخابات تجري في كل ولاية من هذه الولايات، بمعنى أنها ليست انتخابات واحدة موحدة، مع أنها تبدو كذلك، وإنما هي خمسين انتخاباً منفصلاً يتم تجميعهم مع بعضهم البعض.
ونتيجة ذلك تأتي المواصفة الثانية، وهي أن هذه الانتخابات عملية معقدة. ويأتي التعقيد من أنها انتخابات لا تعتمد على تحصيل أغلبية أصوات الناخبين في التصويت الشعبي العابر للولايات، وإنما على تحقيق أغلبية في أصوات أعضاء ما يُدعى بـ «المجمع الانتخابي» (يتشكّل من 538 عضواً). في هذا المُجمّع يُمنح لكل ولاية عدد من الأصوات يتناسب مع تمثيلها في كونجرس الاتحاد الفيدرالي، ما يعني أن تمثيل كل ولاية يتحدد وفقاً لنسبة عدد سكانها في الاتحاد، وبهذا تختلف «أوزان» هذه الولايات عن بعضها البعض. وعدا عن ولايتين هما ماين ونبراسكا، فإن الفائز بالأغلبية في أي من الولايات الأخرى يحصد جميع أصواتها في المجمع الانتخابي. بالتالي يمكن أن يفوز أحد المرشحين بالأغلبية العددية من الأصوات الشعبية على صعيد المجموع العام للولايات المتحدة جميعها، ولكنه يخسر الانتخابات لكونه لم يحصل على أغلبية أصوات أعضاء «المُجّمع الانتخابي». وهذا حصل في مرّات كان آخرها انتخابات عام 2000 حينما حصد المرشح الديمقراطي آل غور أغلبية الأصوات الشعبية على المستوى العام للولايات المتحدة، ولكن جورج بوش الابن ربح الانتخابات بفوزه بأغلبية أعضاء «المُجمّع الانتخابي». ولذلك يجب على المرشح أن يفوز بعدد من الولايات الذي يمنحه تحقيق هذه الأغلبية في هذا «المُجمّع».
أما ثالث المواصفات فهي أن العملية الانتخابية للرئاسة الأمريكية طويلة زمنياً، إذ تنوف عن العام منذ انطلاق الحملات الانتخابية للمرشحين المحتملين وحتى يوم الاقتراع. ويأتي طول فترة هذه العملية من أن اختيار المرشحين ينقسم فيها إلى مرحلتين: مرحلة الانتخابات الداخلية ضمن كل حزب (يقوم النظام الحزبي الأمريكي على وجود حزبين رئيسين)، يليها مرحلة الانتخابات العامة بين مرشحي الأحزاب. وبما أن هيكلية الأحزاب الأمريكية تقوم على أساس تنظيمي رخو ومفتوح، فإن الانتخابات التمهيدية داخل كل حزب تأخذ فترة طويلة لتقليص عدد المتبارين على الفوز بترشيح الحزب بالتدريج، وحتى يتم في النهاية اختيار المرشح عن كل حزب، خاصة الحزبين الرئيسين. بعد ذلك تنطلق الحملة الانتخابية لمرشحي الأحزاب، وتستمر أشهراً حتى الوصول في النهاية إلى يوم الاقتراع. ويجدر التنويه أن الطبيعة المركبة للنظام السياسي الأمريكي، وما ينجم عنها من تعقيد للعملية الانتخابية، يلعب دوراً هاماً في إطالة الفترة الزمنية للحملات الانتخابية بشقيها، الداخلية ضمن كل حزب، والعامة بين الأحزاب. هذا يعود لأن هذه الحملات تقتضي العمل داخل كل ولاية من الولايات الخمسين للاتحاد، وهو ما يتطلب قدرة تنظيمية عالية وجدول عمل مرهق.
رابع المواصفات يتمثل بأن هذه الانتخابات مكلفة جداً من الناحية المادية. فلكي يصل المرشح (خصوصاً مرشحيْ الحزبين الرئيسين) إلى يوم الاقتراع، فإن كلا منهما يحتاج إلى مئات الملايين من الدولارات. فالمرشح الجاد يحتاج إلى تنظيم خمسين حملة انتخابية (حملة لكل ولاية)، بما يتطلبه ذلك من مقارٍ وموظفين واحتياجات. كما ويحتاج المرشح إلى القيام بحملات دعائية بإستخدام جميع الوسائل الاعلامية، وأهمها الاعلانات التلفزيونية العالية التكلفة المادية. إضافة إلى ذلك، يحتاج المرشح لتنظيم سلسلة ممتدة من اللقاءات والتجمعات الانتخابية، وأن يقوم بالتنقل داخل كل ولاية، وبين الولايات، وما يتطلب الكثير من النفقات. وتشير بعض التقديرات أن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون صرفت على حملتها الانتخابية الأخيرة ما يقرب من المليار دولار، في حين صرفت الحملة الانتخابية لدونالد ترامب أقل من ذلك.
وبما أن هذه المبالغ الطائلة الضرورية لانجاح أي حملة انتخابية رئاسية في أمريكا تفوق ما يمكن لأي مرشح أن يقوم بتمويله بالكامل ذاتياً، فإن الحاجة للتبرعات التمويلية تعطي الانتخابات الرئاسية الأمريكية (وحتى على المستويات الأدنى منها) صفتها الخامسة، وهي الانكشاف أمام جماعات الضغط والمصالح. فهذه الجماعات تقوم بالتبرع، وفقاً لتوجهاتها الأيديولوجية واعتباراتها المصلحية، لحملات المرشحين الأقرب عليها. وتتوقع الجهة المتبرعة، فرداً أكانت أو جماعة أو جهة مؤسسية، من المرشح في حال الفوز أن يقوم بـ «ردّ الجميل» من خلال التعيينات والسياسات والقرارات التي يتخذها. ومن هنا يأتي تداخل المصالح بين الخاص والعام، والمحسوبية، والتأثير الذي يصل في أحيانٍ كثيرة إلى الفساد السياسي. من هنا تبدأ قوة مجموعات الضغط والمصالح في التأثير على مخرجات السياسة الأمريكية وفي تحديد سياساتها في المجالات المختلفة. 
      كل هذه المواصفات تجعل عملية الانتخابات الرئاسية الأمريكية عملية فريدة الطابع والملامح، شيّقة، ومثيرة للاهتمام والمتابعة، خاصة وأن لنتائجها دائماً انعكاسات هامة، ليس على صعيد الداخل الأمريكي فحسب، وإنما على الصعيد الدولي أيضاً.