خبر : تسريب مباني القدس وغياب تحمل المسؤولية الوطنية ...اطلس للدراسات

الخميس 23 أكتوبر 2014 10:08 ص / بتوقيت القدس +2GMT
تسريب مباني القدس وغياب تحمل المسؤولية الوطنية ...اطلس للدراسات



تهويد القدس وتطهيرها من سكانها الفلسطينيون وخنق الأقصى وتقسيمه، بل وربما هدم بعضه؛ بات أمراً واقعاً يترجم يومياً على الأرض بضراوة وإصرار، وبشكل علني ومكشوف، تدلل على ذلك ليس فقط مجرد ما كانت تقوم به جمعيات استيطانية كانت توصف في السابق بالمجموعات المحدودة والمتطرفة؛ بل بقرارات أعلى الهرم الحاكم في إسرائيل، وبمسيرة طويلة من سن القوانين من قبل الكنيست، تزداد تجرؤاً ووقاحة، وتكشف عن التوجهات الصهيونية فيما يتعلق باستكمال ضم وتهويد مدينة القدس وتغيير هويتها وثقافتها ومعالمها الدينية.
هذا أمر لم يعد بحاجة لمزيد من التحذير وقرع الأجراس، وبات معروفاً وملموساً للقاصي والداني، ويعيشه أبناء المدينة يومياً وساعة ساعة.
ولا يبدو ان ثمة شيء قادر على لجم الهجمة الصهيونية الشرسة على المدينة في ظل ظروفنا وأدواتنا الحالية، كما لا يبدو للأسف اننا موجودون أصلاً في المشهد المقدسي سوى ببعض التصريحات والفزعات الديبلوماسية، التي تبقي أهل القدس وحيدون في مواجهة طاغوت التهويد ومواجهة حملات القمع والبطش، وكأن قيادتنا لم يعد يعنيها أمر القدس، أو انها تشعر بالعجز وقلة الحيلة.
القدس تشكو الإهمال والغياب، تشكو عجز القيادة، وتشكو من ان استمرار الإهمال سيجعلها تفقد عروبتها واسلاميتها بحكم تغول هجمة فرض الأمر الواقع، فيختل ميزانها الديمغرافي بشكل متسارع، ورويداً رويداً تفقد معالمها العربية لصالح معالم غريبة تغتصب هويتها وحضارتها المعمارية، وتفقد صلتها بامتدادها الفلسطيني، وتسرب منازلها لجمعيات صهيونية في ظل صمت رسمي مخجل وأقوال قلقة أو محذرة في أحسن الأحوال.
إنه صمت يثير الغضب والاستنكار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتسريب منازل مقدسية لجمعيات استيطانية، مرة تلو الأخرى دونما رد فعل حقيقي، ودونما أي تحقيق جدي، فالمسألة أكبر من مجرد تحميل المسؤولية لفرد باع نفسه للشيطان، إنما الأمر يكشف عن فشل حقيقي لكل منظوماتنا السياسية والإدارية، والتسريب لم يكن مجرد صفقة سرية منزوعة السياق.
فلو كان كل مسؤول يقوم بمسؤولياته على الوجه الأنسب لما وصلنا قطعاً إلى ما وصلنا إليه، فأين دور مسؤول ملف القدس في منظمة التحرير؟ وأين دور محافظ القدس؟ وأين دور وزير شؤون القدس؟ ألم يكن حرياً بهؤلاء تقديم استقالاتهم؟ ألا يستحق أمر تسريب عشرات الشقق تشكيل لجان تحقيق وتحمل المسؤولية المبدئية على الأقل؟ أم ان المسؤوليات هي امتيازات مستحقة لذوي الشأن، وحقوق كبيرة بلا أي واجبات أو التزامات، ودون استعداد حقيقي للتضحية ودفع ثمن حماية القدس.
والسؤال لماذا تصمت الفصائل والقوى والنخب وتمر على الأمر مرور الكرام؟ وكأن الأمر لا يتعلق بجوهر قضيتنا ونضالنا، فهل نجامل بعضنا البعض على حساب القدس؟
صحيح ان معركة القدس أقوى من امكانياتنا الذاتية، لكن الصحيح أيضاً اننا لم نفعل نصف امكانياتنا في سبيل حمايتها وصد هجمات التهويد، وقصورنا واضح وفاضح، وتركنا أمر حمايتها لمجموعة من شبانها وأطفالها وبعض فلسطينيي الـ 48 الذين يتصدون يومياً لاقتحامات الصهاينة للمسجد الأقصى؛ هذه الاقتحامات التي أصبحت عملاً يومياً يشارك به عدد يزداد ويتوسع من حيث شموله فئات كثيرة من المجتمع الصهيوني، سياسيين وأكاديميين وعلمانيين ومتدينين ويمينيين وليبراليين.
والحقيقة ان اهمال القدس ليست استثناءً في المشهد السياسي الفلسطيني؛ فحال القدس كحال غيرها من المدن والقضايا الوطنية التي تعاني من وطأة الاحتلال وغياب الفعل والاستراتيجية الوطنية الفاعلة، وسوء حال الادارة السياسية البين يعكس نفسه على كافة المستويات ومناحي الحياة، بدءاً باستمرار الانقسام والحصار ومسيرة الاستيطان والتهويد، والتردد الفلسطيني بكل ما يتصل بالمواجهة في الضفة على مستوى الميدان والحلبة الدبلوماسية؛ تدهور ينذر بالمزيد من التدهور، وتعمق حالة الاحباط واليأس بين صفوف الشباب تحديداً، وهي جميعاً مقدمات سيئة لمستقبل الحد الأدنى لمشروعنا الوطني.
ويبدو ان القيادة عندما أقدمت في السنة الماضية على تفويض الأردن رسمياً برعاية وحماية القدس؛ كانت تستبق فشلها وعجزها وأرادت ان تتهرب وتلقي المسؤولية على دولة الأردن، مما أثار في حينة علامات استفهام عن المضمون والدوافع الحقيقية لذلك التفويض.
وما عجزت السلطة والفصائل عنه من تصدٍ حقيقي لتهويد القدس ستعجز عنه كل الدول العربية الرسمية مسلوبة الإرادة؛ فالأردن كما الجامعة العربية، وكما مؤتمر منظمة الدول الإسلامية، وكما لجنة القدس العربية التي يتزعمها ملك المغرب؛ كلها جميعاً مجرد هيئات خالية من أي إرادة أو مضمون أو برنامج حقيقي، وتقتصر علاقتها بالقدس بتصدير بعض البيانات أو مكالمات المناشدة والقلق لبعض العواصم الغربية، وبات من غير المفهوم استمرار تمسك العرب بمبادرتهم للسلام، رغم ادراكهم ان نتنياهو وكل أركان حكومته يقابلون دعوتهم بالسلام بشن حرب محمومة على ما تبقى من أرض فلسطينية، وفي مقدمتها سلب وتهويد أقدس مقدسات العرب.
للأسف يبدو انه لم يبقَ لنصرة القدس سوى بعض الفتية المقدسيين وحراس وسدنة الأقصى، هؤلاء الأبطال الذين يتصدون يومياً لقطعان المستوطنين ويشوشون حياة المستوطنين داخل المدينة؛ مما استفز الصهاينة، وفي مقدمتهم نير بركات رئيس البلدية المحتلة، ويبدو انه أيضاً استفز الاعلام الاسرائيلي الذي توحد يصف ما يدور بالقدس بالانتفاضة الصامتة، والتحريض على قمعها والبطش بالمشاركين بها، ويبدو ان أجهزة الأمن والشرطة ستصعد من أعمال البطش والتنكيل ضد سكان المدينة.
أمر القدس والقضية الفلسطينية بمجملها بات في وضع من السوء والحراجة بما يهدد مستقبل مشروعنا الوطني؛ الأمر الذي يجب ان يستحث كل ذي ضمير واحساس بالمسؤولية الوطنية للتحرك السريع والفاعل بتحمل المسؤولية وتحميل المسؤوليات للمقصرين دونما مواربة أو مجاملة، والتحرك على صعيد ترتيب بيتنا الداخلي على أسس وطنية، وتفعيل الدور الوطني الوظيفي لمؤسسات السلطة بعيداً عن الدور الأوسلوي، وإعادة تفعيل نظامنا السياسي وبناء منظمة التحرير بما يتوافق ومعايير الشراكة الوطنية الفاعلة بعيداً عن المحاصصة أو التفرد بالقرار الوطني.